المصدر: نداء الوطن
الكاتب: د. علي خليفة
الثلاثاء 21 نيسان 2026 07:17:36
لا يتعلّم أطفال "حزب الله" ما يتعلّمه أطفال لبنان من قيم المجتمع اللبناني التعدّدي والمنفتح على الحريات، ولا ينمّون الانتماء للبنان وهويته، بحسب المناهج الرسمية اللبنانية ودستور الطائف، وما جاء فيه من بنود في باب الإصلاحات التربوية، وما نتج عنها من خطط تربوية ووثائق صادرة عن وزارة التربية في لبنان والمركز التربوي للبحوث والإنماء.
بل لا يتعلّم أطفال "حزب الله" ما يتعلّمه باقي أطفال الشيعة في حصص التعليم الديني. فبينما وضع المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى مناهج للتعليم الديني وفق المذهب الشيعي، أسوة بباقي الهيئات والمجالس الدينية في المدارس الخاصة التابعة للطوائف الدينية المختلفة في لبنان، وحدهم أطفال "حزب الله" يدرسون في لبنان ما يدرسه أطفال الثورة الإسلامية في إيران في التربية الإسلامية! وبدل المناهج الصادرة في لبنان، يتعلّم أطفال "حزب الله" وفق وثيقة التحوّل البنيوي الصادرة عن المجلس الأعلى للثورة الثقافية في إيران! يدينون بالولاء السياسي للفقيه الإيراني، يبدأون نهارهم بالدعاء للحُجّة ولنائبه بالحق في إيران وينشدون نشيد "سلام يا مهدي!" وأنشطتهم المدرسية واللامدرسية تتمثّل بروح الله الخميني، وقائدهم الخامنئي الأب والإبن ورموزهم وقدوتهم أمثال مطهري وسليماني...
أهذه حرية المعتقد التي يكفلها الدستور في لبنان؟ أم أن في عقيدة الولي الفقيه ما يخلّ بالنظام العام، عبر انتزاع أطفال الشيعة من انتمائهم للبنان وإلحاقهم بالولاء للفقيه الإيراني؟ ما يستتبع اعتبار عقيدة الولي الفقيه مناقضة للدستور ويستدعي منعها في لبنان!
منذ عمر ثلاث سنوات حتى خواتيم التعليم الأساسي، تتمّ تعبئة أطفال "حزب الله" في مدارس المصطفى والمهدي بمفاهيم الثورة الإسلامية في إيران وقيم العنف والتطرّف دون مراعاة للقيم الوطنية اللبنانية، وأدنى متطلبات علم النفس التربوي وعلم الاجتماع التربوي وخصائص النمو والإدراك الفكري والعاطفي لكلّ مرحلة عمرية! طبعًا، يأخذ "حزب الله" بكلّ ما يتطلّبه نظامه التربوي الرديف: فيخصّص مدارس المصطفى للفئات الميسورة من بيئة "الحزب" والقادرة على سداد أقساط مرتفعة ويُبْقي مدارس المهدي للفئات المسحوقة من بيئة "الحزب". فيعمل بذلك على إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية كما في كلّ أنظمة التعليم ويُعدّ كوادر لتمدّد أنصار "الحزب" في مواقع الدولة والوظائف العامة والمفتاحية بيد المحظيين ويُعدّ الدروع البشرية أيضًا من الفئات المسحوقة والأمواج البشرية من الأنصار والموالين.
في أحد الأنشطة اللاصفية، بنتٌ في مرحلة المراهقة المبكرة تُمسِك بيديها مجسّمًا لطفلها المستقبلي وتنعيه شهيدًا... فتتمثّل شعور الفقد قبل أن تختبر شعور الأمومة! وفي برامج الأطفال، قصص متواصلة حول "لقاء القائد" (الفقيه الإيراني) وتمجيد القتل (قصّة "كيف يكون القتل حياة؟") و "موكب العزاء" و "هل حقًا لبيك يا حسين؟" في مجلة المهدي للأطفال، لكأن في هذه "المواقع للتعبئة والجهاد" (لا يجوز ولا يصحّ تسميتها مدارس) وأدواتها ومواردها من كتب ومجلات وأنشطة صفية ولاصفية ولامدرسية، يتمّ غسل الدماغ، ومحو الشعور الإنساني بخصائصه النفسية والاجتماعية، وغرس عقيدة مريضة تُذهب العقل فتصبح النفس طوع الموت المجاني والشقاء التلقائي بلا أي قدرات على التفكير الذاتي والحس النقدي والوطني والإنساني العام.
ومن يدرّس أطفال "حزب الله"؟ لا توظف مدارس "حزب الله" أساتذة متخرّجين من كليات التربية ومعاهد الإعداد إلا بعد أن تُعيد إعدادهم الأساسي. فهم يعملون في لبنان وكلّ أدوات عملهم من مناهج وبرامج ووثائق وكتب ومحتوى كتب وقيم ورموز... من الجمهورية الإسلامية في إيران! تمامًا كما أسلحة "الحزب" وأكله وشربه وثيابه من الجمهورية الإسلامية في إيران!
أتذكّر نكتة معبّرة وخفيفة الظلّ انتشرت أيام سلطة البعث البائدة والغليظة اليد. تروي النكتة أن أحد الأطفال يزايد على نظيره في الولايات المتحدة الأميركية مخاطبًا إياه: "عندكم ديمقراطية وعندنا ديمقراطية! بدليل أنكم تسبّون الرئيس الأميركي ولا يتعرّض لكم أحد بشيء وكذلك نحن، نسبّ الرئيس الأميركي في بلادنا ولا يتعرّض لنا أحد بشيء!" بالمقابل، ما تفعله مدارس "حزب الله" في لبنان ليس نكتة، بل نكبة. فكما تفعل الثورة الإسلامية في إيران في إطار تدريس أطفال الجمهورية الإسلامية في إيران على الولاء للفقيه الإيراني وقيم الثورة الإسلامية في إيران، كذلك يتمّ تدريس أطفال الشيعة في لبنان على الولاء للفقيه الإيراني وقيم الثورة الإسلامية في إيران... فيصبحون من الموالين لها على حساب الانتماء لوطنهم ومجتمعهم.
إن حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ "حزب الله" باعتبارها غير شرعية وخارجة على القانون بحسب القرارات الرسمية الصادرة عن الحكومة اللبنانية، يستوجب أيضًا حظر السلاح الأخطر: ذلك الذي في عقول أطفال "حزب الله" ويتمّ غرسه بواسطة التعبئة العقائدية في مدارس خارجة على أي توصيف. ولا يمكن اعتبار ما تقوم به هذه المدارس في إطار حرية التعليم المنصوص عنها في المادة 10 من الدستور والتي تستوجب الاقتداء بالأحكام التي تصدر عن وزارة التربية في هذا الخصوص. فإلى متى تظلّ وزارة التربية متقاعسةً عن أداء دورها في الرقابة على مدارس "حزب الله" وضبط التعليم الديني وإدارته بشكل إيجابي؟ وتبقى لجنة التربية النيابية متخلّفة عن سنّ التشريعات التي تطوّر أداء نظام التعليم ووظيفته ودوره؟ ويستمرّ المركز التربوي للبحوث والإنماء مناطق صيد ومحسوبيات مقتصرة على أزلام الأحزاب السياسية فتضيع الرؤية والمبادرة ويُفتقد القرار الشجاع للنهوض بالتربية والتعليم في لبنان؟