إسرائيل و"الحزب"... انتهاء 26 عامًا على التسليم والتسلّم

انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان في أيار 2000. انسحاب سريع أنهى وجودها العسكري، لكنه فتح الباب أمام مرحلة جديدة بالكامل. تفكّك "جيش لبنان الجنوبي" بقيادة اللواء أنطوان لحد آنذاك، فيما بدأ "حزب الله" تثبيت سيطرته على الجنوب وعلى القرار اللبناني تدريجيًا. وللمفارقة، فإن الجنوب في عهد "جيش لبنان الجنوبي" كان مزدهرًا، وأهله لم يتركوه، ولم تُدمَّر مدن وبلدات الشريط الحدودي، أما عندما سيطر "الحزب" عليه فتحوّل دمارًا وركامًا.

تشير أوساط سياسية متابعة إلى أن ما حصل لم يكن مجرد انسحاب عسكري. يومها بدأ التسليم والتسلّم في لبنان والمنطقة. خرجت إسرائيل من الجنوب، ودخل المشروع الإيراني إلى قلب الدولة اللبنانية، مستفيدًا من الاحتلال السوري ومن عهد الرئيس إميل لحود، الذي وفّر الغطاء الكامل لـ"الحزب" وضرب أسس الدولة.

بعد ثلاث سنوات، سقط العراق. دخل الأميركي إلى بغداد لإسقاط نظام الرئيس صدام حسين، لكن النتيجة كانت تسليم العراق لإيران. تمدّد النفوذ الإيراني بسرعة من بغداد إلى دمشق واليمن وفلسطين فبيروت. وفي تلك المرحلة، تحوّل "حزب الله" من تنظيم لبناني إلى رأس حربة المشروع الإيراني في المنطقة.

منذ عام 2000، فرض "حزب الله" معادلاته على الداخل اللبناني. أمسك بالقرار الاستراتيجي. عطّل الحكومات. أسقط التسويات عندما أراد. وفرض واقعًا قائمًا على فائض القوة والسلاح. عمليًا، لم تكن هناك دولة قادرة على مواجهته.

وتقول أوساط سياسية إن "الحزب" استفاد طوال تلك السنوات من ثلاثة عوامل أساسية: الاحتلال السوري، الغطاء السياسي الداخلي، والتسويات الدولية التي كانت تسمح لإيران بتوسيع نفوذها. لكن هذه العوامل سقطت تباعًا.

رحل الاحتلال السوري. انتهى عهد إميل لحود. تبدّلت الأولويات الدولية. والأهم أن المشروع الإيراني نفسه دخل مرحلة التراجع بعد عملية "طوفان الأقصى".

العراق يعيش أزمة مفتوحة، ولم تستطع إيران إعادة نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء بفعل الفيتو الأميركي. سوريا تحررت من حكم الأسد. وإيران تواجه حربًا وحصارًا وضغوطًا قاسية. أما لبنان، فدفع الثمن الأكبر: انهيار مالي، عزلة عربية ودولية، وشلل سياسي كامل.

وتؤكد كل المؤشرات أنه لم يعد هناك غطاء دولي لاستمرار الواقع الذي فرضه "حزب الله" بعد عام 2000. القرار اتُّخذ داخليًا وخارجيًا بسحب لبنان نهائيًا من المحور الإيراني، والدولة اللبنانية بدأت تلتزم بهذا المسار رغم كل الضغوط.

وتشير أوساط رسمية إلى أن "حزب الله" يدرك حجم التحوّل، ولو أنه لا يزال يكابر. لذلك يحاول رفع السقوف السياسية والإعلامية، لكنه يعرف أن الظروف تبدّلت بالكامل. فلا البيئة الداخلية معه، ولا البيئة الإقليمية، ولا حتى المزاج الدولي.

الأهم أن الرأي العام اللبناني تغيّر. فالسلاح الذي رُفع سابقًا تحت عنوان "التحرير" بات يُنظر إليه اليوم كأحد أسباب الانهيار والعزلة والحروب. وحتى داخل البيئة الحاضنة، ارتفعت الأصوات المعترضة على كلفة المشروع الإيراني في لبنان والمنطقة.

وتؤكد مصادر متابعة أن الدولة اللبنانية لن تعود إلى مرحلة ما قبل 2 آذار، تاريخ دخول "حزب الله" حرب إسناد إيران. المفاوضات في واشنطن مستمرة، والالتزامات الدولية قائمة، والقرار السياسي واضح: لا عودة إلى زمن السيطرة على الدولة بقوة السلاح.

لذلك، يبدو "الحزب" اليوم أمام مرحلة دفاع لا هجوم. يدافع عن النفوذ الذي بناه منذ عام 2000، فيما تسقط تدريجيًا كل الظروف التي سمحت بقيام هذا النفوذ.

زمن إميل لحود انتهى. زمن الاحتلال السوري انتهى. وحتى مرحلة التسويات التي حمت تمدّد إيران انتهت. وما كان ممكنًا فرضه قبل 26 عامًا لم يعد قابلا للحياة اليوم، ومن يسكن بعبدا اليوم هو الرئيس جوزاف عون وليس إميل لحود.

بين انسحاب إسرائيل من الجنوب وسقوط المشروع الإيراني بعد ربع قرن تقريبًا، تغيّرت المنطقة بالكامل. أما لبنان، فيدخل مرحلة جديدة عنوانها استعادة الدولة لقرارها، وسقوط معادلة فرضها "الحزب" بقوة الأمر الواقع منذ عام 2000. وكل ما يهدّد به "حزب الله" هو بسبب فقدانه القدرة على التحكم والسيطرة.