إسقاط الفتنة الداخلية من طريق التفاوض!

في خطاباته الأخيرة بات الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم يقر على نحو مباشر وغير مباشر بأنه يواجه معركة غير متكافئة مع إسرائيل. قبل أيام قليلة وحين أعلن الحزب ذروة توجيهه مسيرات ضد التجمعات الإسرائلية في جنوب لبنان بلغ عددها 11 مسيرة خلال أربع وعشرين ساعة، وأنذرت إسرائيل 11 قرية إضافية في جنوب لبنان لمغادرة أهلها منازلهم، ما يجعل المعادلة لترجمة قوة الحزب وقدراته صعباً حتى في تحديه الدولة اللبنانية رافعاً الصوت معارضاً لها ومعترضاً على قراراتها. وعداد وزارة الصحة اللبنانية في إحصاء ضحايا شهرين من الحرب حتى الآن تجاوز 11 ألفاً بين قتيل وجريح، مع هامش غير معروف بعد لعدد قتلى الحزب الذي لم يتم الوصول إليه بعد.
ولذلك فالقوة الرادعة افتراضاً للدولة عن خيارها في التفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية أميركية هي قوة الفيتو الشيعي الذي يمده به رئيس مجلس النواب نبيه بري وليس قوة الحزب في الواقع الذي يراهن على إيران ومفاوضاتها مع الولايات المتحدة من أجل المحافظة على ورقتها في لبنان التي يشكلها الحزب.

وبناء على هذا الفيتو الذي يختصر الطائفة الشيعية، فإنه ينجح في حشر أركان الدولة ودفعهم إلى موقع دفاعي للاستمرار في التأكيد والدفاع عن حق لبنان في التفاوض المباشر وتبريره على أنه السبيل الوحيد المتاح الذي غدا متاحاً للبنان لا سيما بعد التراجع الدراماتيكي لقوة الحزب، في حال كان ذلك خياراً، وهو لم يكن كذلك للدولة اللبنانية، لكن من غير المرجح أن ينجح في منعها عن ذلك في مرحلة استنزاف ميداني قاتل في الجنوب يعجز عن تعويضه أقله في المستقبل المنظور وخسائر كارثية لم تقدر بعد جدياً. ومع أنه ليس واضحاً كلياً حتى الآن مدى الضعف الذي أصاب الحزب مجدداً نتيجة الضربات الإسرائيلية القاتلة والخسائر التي مني بها لا سيما على خلفية تقديرات سابقة لم تتمتع بالصدقية سواء من جانب إسرائيل التي يستند إليها الإعلام العالمي لبناء تقديراته، لكن في الطريق إلى انتظار مفاوضات إسلام آباد حتى تأتي ثمارها أقله وفق ما يطمح إليه الحزب، سقطت ورقة التهديد بالحرب الأهلية أو الفتنة الداخلية بعد نماذج ميدانية مهددة بالفوضى.

السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى بدا واثقاً في نفيه مثل هذا الاحتمال للحرب الاهلية، في موقفه من بكركي، فيما دحضه أيضاً رئيس الجمهورية جوزف عون كذلك رئيس مجلس النواب نبيه بري. هذا الاحتمال الذي جرى تخويف اللبنانيين به كما الخارج بات يهدد وفق مصادر ديبلوماسية أن يكون بمثابة شيك على بياض لإسرائيل لن يتوقف عند حدود الضوابط الأميركية المرسومة حول بيروت وتالياً قيادات الحزب، ما دام هذا الأخير يتم التعامل معه أميركياً على أنه عدو للبنان بمقدار ما هو عدو لإسرائيل.

  
تراجع الأوراق الإيرانية 
في تقويم مراقبين ديبلوماسيين، لم يتبقَ لـ إيران أوراق قوية تشكلها أذرعها في المنطقة أقله في الوقت الراهن، من الرهان على الحوثيين لتعطيل الملاحة في باب المندب وصولاً إلى العراق والترحيب الأميركي الحار برئيس حكومة جديد وجه إليه ترامب دعوة فورية لزيارة البيت الأبيض وسط ارتباك أحدثه لدى الفصائل العراقية الموالية لإيران فيما المطلوب نزع سلاحها، حتى لو بقيت ورقة "حزب الله" هي الأقوى وربما تستمر قابلة للاستثمار لاحقاً بالنسبة إليها. إذ إن توقع أن تتخلى إيران عن الحزب في الواقع يعني ضرورة تغيير أساسي في طبيعة النظام الإيراني، وهذا صعب في المدى المنظور. لكن تزداد الخسارة على ضوء ارتفاع الكلفة وتضعف الورقة إلى درجة قد يصعب استثمارها لا سيما إذا نجح رئيس الجمهورية في إقناع الجانب الأميركي بآلية تمهيدية تطلق التفاوض وتوفر أوراقاً للبنان قبل أي لقاء محتمل لا بد منه مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وأرجأه رئيس الجمهورية إلى ما بعد اتفاق أمني بين لبنان وإسرائيل يحاكي ما يشترطه الثنائي الشيعي، ولو أنه مطلب لبنان أصلاً كشرط ضروري لمفاوضات جادة تنجح بضمان وفاق وطني حولها.

يدعم كثر ذلك على قاعدة أن لبنان يحدد شروطه بوضوح وعلى نحو علني ومدى استعداده الإيجابي وتوقعاته، ومن واجبه ذلك كي لا يتيح فرصة لمن يسعى إلى تقويض مكانة الدولة في الداخل أو الخارج. إذ ثمة حاجة إلى نزع بعض الفتائل في رأي البعض، ولو أن منطق البعض الآخر أن لبنان هو من يحتاج إلى الراعي الأميركي وهذا الأخير لديه أسلوبه ومقارباته غير التقليدية التي يتعين على لبنان القبول بها ما دام لا بديل لديه عنه ولانتزاعه من براثن إيران. وفي وقت يظهر رئيس الجمهورية أنه يقدر الفرصة التي تتاح للبنان أن يكون محط اهتمام الرئيس الأميركي وتوافر فرصة يجب اغتنامها وقد لا تتوافر بعد حين، فإن التوازن الدقيق للأمور قد يمنح لبنان الجسر الذي يحتاج إليه لعبور المأزق الكبير الذي يهدد وجود الدولة. ويحتاج ذلك إلى تعاون واشنطن وتفهمها والضغط على إسرائيل للتعاون أيضاً بما لا يخدم إيران كذلك. لكنه يحتاج أيضاً إلى الجرأة والإقدام وعدم التهاون أو الخوف في ظل معطيات واقعية تتجاوز التهديدات أو المواقف العلنية.