إصرار حزب الله على التعويضات والدولة الموازية

لا يزال «حزب الله» يتعامل مع الدولة اللبنانية بوصفها سلطة يمكن مطالبتها بتحمّل الأعباء المالية والاجتماعية للحرب، من دون الالتزام بمرجعيتها السياسية والأمنية أو بقراراتها المتعلقة بحصرية السلاح. وفي أحدث تجليات هذا النهج، أعلن الحزب برنامجاً جديداً للمساعدات تحت عنوان «وعد والتزام»، مخصصاً للإيواء والأثاث، في خطوة تتجاوز بعدها الإغاثي لتعيد طرح سؤال جوهري: هل يريد الحزب أن يكون جزءاً من دولة واحدة، أم أنه مصرّ على الاحتفاظ بدور موازٍ لها، يقرر الحرب والسلم، ثم يتولى إدارة نتائج قراراته؟

في الشكل، تبدو المساعدات استجابة لحاجات عائلات خسرت منازلها واضطرت إلى النزوح، وهي حاجات حقيقية لا يمكن تجاهلها، خصوصاً في ظل محدودية قدرة الدولة على الاستجابة لحجم الدمار. لكن في المضمون، تكشف الخطوة استمرار نموذج سياسي واجتماعي بنى عليه الحزب نفوذه، قوامه الجمع بين القوة العسكرية وشبكة الخدمات والمساعدات، بما يجعل علاقته ببيئته تتجاوز العلاقة السياسية التقليدية لتصبح مرتبطة بقدرته على توفير ما تعجز الدولة عن تأمينه.

المشكلة ليست في تقديم المساعدات، ولا في حق المتضررين بالحصول على الدعم، بل في أن يتحول هذا الدعم إلى جزء من منظومة سلطة موازية، تمتلك قرار الحرب، وتحدد آليات التعويض والفئات المستفيدة، فيما تبقى الدولة مطالبة بتأمين ما تبقى من احتياجات الناس، من دون أن تكون صاحبة القرار الذي أدى إلى هذه الخسائر.

أعلن الحزب مساعدات تصل إلى 14 ألف دولار للوحدات السكنية في بيروت والضاحية الجنوبية، و12 ألف دولار في المناطق الأخرى، وفق شروط تتعلق بحجم الأضرار ووضع المسكن. غير أن البرنامج لا يشمل تعويضات عن المؤسسات التجارية والمحلات المدمرة، التي تشكل مصادر رزق لعائلات خسرت منازلها وأعمالها معاً. كما أن حصر الاستفادة بفئات محددة يثير تساؤلات عن مصير المتضررين الذين لن تشملهم الآلية، وعن المعايير التي تحكم توزيع المساعدات خارج إطار وطني موحد يضمن المساواة بين المواطنين.

هنا تتضح إحدى وظائف الدور الموازي: الحزب لا يقدم المساعدة فحسب، بل يحتفظ لنفسه بسلطة تحديد من يستحقها ومقدارها وشروط الحصول عليها، في غياب آلية وطنية شاملة تخضع للشفافية والمساءلة.

والأكثر دلالة أن الحزب، الذي أعلن برنامج المساعدات، حمّل الحكومة مسؤولية الإيواء وإعادة الإعمار، منتقداً عدم وضع برنامج رسمي متكامل للتعويضات. لكن كيف يمكن فصل هذه المطالبة عن حقيقة أن الحزب اتخذ قرار الدخول في الحرب من خارج المؤسسات الدستورية، من دون العودة إلى الحكومة، ثم عاد ليطالب الدولة بتحمل الأعباء المترتبة على قرار لم تكن شريكة في اتخاذه؟

إن تحميل الدولة مسؤولياتها الاجتماعية والإنسانية أمر مشروع، بل واجب، لكن المسؤولية لا يمكن أن تتحول إلى التزام أحادي الجانب: جهة تقرر الحرب، وتحتفظ بسلاحها، وترفض الخضوع الكامل لقرارات الحكومة، ثم تطالب هذه الحكومة بتأمين الإيواء وإعادة الإعمار. فالدولة ليست صندوقاً مالياً يُستدعى عند الحاجة، فيما تُنتزع منها صلاحياتها السيادية عندما تتعارض مع خيارات الحزب العسكرية.

ولا يمكن تجاهل البعد السياسي للمساعدات. فالحزب يدرك أن بيئته تعيش ضغوطاً متزايدة، وأن الخسائر البشرية والمادية وطول أمد النزوح وفقدان مصادر الرزق تفتح الباب أمام تساؤلات حول جدوى الحرب وكلفتها. ومن الطبيعي أن يسعى إلى تخفيف الاحتقان، لكن المساعدات، مهما بلغت قيمتها، لا تعالج أزمة تتجاوز السكن والأثاث إلى فقدان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

كما أن عدم وضوح مصدر التمويل وحجمه، وعدم الإعلان عن العدد الإجمالي للمستفيدين، يطرح أسئلة حول استدامة البرنامج وقدرة الحزب على تنفيذه. فالمساعدات التي تُصرف على مراحل لا تعادل بالضرورة تعويضاً نهائياً، ولا سيما في ظل ارتفاع الإيجارات وتراجع القدرة الشرائية وتعقيدات إعادة الإعمار.

في المقابل، لا يعفي ضعف استجابة الدولة الحكومة من مسؤوليتها. فمن واجبها وضع خطة واضحة للإيواء والتعويض وإعادة الإعمار، وفق معايير معلنة وشفافة، تضمن عدم ترك المواطنين رهائن للجهات السياسية وشبكات النفوذ. لكن استعادة الدولة لدورها لا تتحقق بمجرد مطالبتها بدفع الأموال، بل بتمكينها من ممارسة صلاحياتها كاملة، وفي مقدمتها حصرية قرار الحرب والسلم والسلاح.

تكمن المفارقة في أن «حزب الله» يريد من الدولة أن تكون قوية بما يكفي لتحمل أعباء الحرب، وضعيفة بما يكفي كي لا تمنعه من اتخاذ قرارها. يريدها مسؤولة عن إعادة الإعمار، لكنه لا يقبل أن تكون المرجعية الوحيدة في القضايا السيادية التي تحدد مستقبل البلاد.

وهذا هو جوهر المشكلة: لا يمكن بناء دولة فعلية إلى جانب دولة أخرى، ولا يمكن للمؤسسات استعادة ثقة اللبنانيين ما دامت هناك جهة تقرر الحرب خارجها، ثم تنافسها على إدارة المجتمع وتوزيع المساعدات داخله.

فالمطلوب ليس حرمان المتضررين من المساعدات، بل إنهاء الأسباب التي تجعلهم مضطرين إلى البحث عنها خارج مؤسسات وطنهم. والمطلوب ليس إعفاء الدولة من واجباتها، بل استعادة حقها في أن تكون صاحبة القرار والمرجعية الوحيدة في حماية اللبنانيين، حتى لا يبقى المواطن يدفع ثمن الحرب مرتين: مرة من منزله ورزقه، ومرة من حقه في العيش داخل دولة واحدة، لا تحت سلطتين.