المصدر: إرم نيوز
الجمعة 16 تشرين الأول 2026 09:40:03
تتكشّف أمام الرأي العام الإفريقي والعالمي حقيقة الإمبراطورية المالية لميليشيا "حزب الله" في غرب إفريقيا، ومعها تنفضح خيوط شبكات معقدة، يتفاعل فيها المال مع الدم، وتظهر الأدوار الحقيقية لشخصيات سياسية فاعلة في مشهد التمهيد لـ"حزب الله" في غرب إفريقيا عامة وفي سيراليون على وجه التحديد.
وفي الوقت الذي تبحث فيه الميليشيا عن موارد مالية جديدة وعن بدائل لخطوط الإمداد المنقطع بمقتضى التغيرات الملحوظة في دمشق وبيروت، تكشف مصادر استراتيجية وأمنية عن ظهور سيراليون كإحدى المحطات البارزة في الشبكة المالية المعقدة لميليشيا "حزب الله"، حيثُ تتقاطع فيها الجاليات اللبنانية المغتربة، وتجارة الموارد الطبيعية وشبكات التمويل البديلة.
"الماس الدموي"
في سياق تاريخي لجذور العلاقة بين سيراليون وميليشيا "حزب الله"، تتوافق المصادر التاريخية والسياسية على أنّ الهجرة اللبنانية إلى إفريقيا، التي تعود جذورها إلى النصف الثاني من القرن الـ19، أدت دورًا محوريًا في تأسيس روابط اقتصادية واجتماعية عميقة، سرعان ما حوّلت سيراليون إلى ساحة رئيسية لنفوذ ميليشيا "حزب الله" وحركة "أمل" للسيطرة على تجارة الماس غير المشروعة.
وتضيف المصادر البحثية، التي عادت إليها "إرم نيوز" بالتفصيل، أنّ الصراعات وأجواء الحرب الأهلية في سيراليون (1991 – 2002) أسهمت في تسهيل سيطرة شبكات مرتبطة بميليشيا "حزب الله" على تجارة الماس، مما عزز نفوذها داخل المجتمعات الشيعية المحلية.
وتكشف جهات أمنية ميدانية في سيراليون أنّ الميليشيا باتت تستخدم تجارة "الماس الدموي"، الذي يُستخرج من مناطق النزاع بقوة العصابات الإجراميّة المحلية التي تستغل الأطفال والنساء وضعاف الحال، كوسيلة أساسية لغسيل الأموال وتحويلها لخدمة مصالحها.
وتبيّن المصادر أنّ هناك شخصيات بارزة ضالعة ومتورطة في هذا الأمر على غرار ناظم سعيد أحمد، الذي وظّف شبكات تجارة الماس لغسل الأموال وتمويل الميليشيا، مع تورط شبكات أخرى في الكونغو ودول إفريقية عديدة في هذه المسلكية الإجرامية نفسها.
تفكيك منظومة عمل
وفي تفكيكها لطبيعة عمل هذه الشبكات، تفيد مصادر متخصصة ومراكز بحثية على اطلاع بهذا الملف، بأنّ الميليشيا تسعى من خلال تموقعها الإفريقي إلى تأمين مصادر تمويل بديلة ومستقلة لمواجهة العقوبات الدولية المفروضة عليها، وعلى ممولها الرئيسي في طهران في ظلّ شحّ الموارد وتقلص التبرعات من الداخل والخارج، كمًا وكيفًا.
وتشير إلى أنّ الميليشيا انخرطت في شبكات تهريب المخدرات وغسل الأموال عبر دول مثل نيجيريا وغينيا بيساو والكوت ديفوار، مستفيدة من الثغرات الأمنية وغياب الرقابة الفعّالة في هذه الدول.
غير أنّ الأخطر من كل ما سبق، يتمثل في بناء شبكات معقدة وتجنيد متعاطفين محليين وربطهم مع عناصر مرتبطة بالميليشيا لتسهيل أمور التسليح وتهريب معدات عسكرية في دول مثل نيجيريا والسنغال والصومال وسيراليون إلى لبنان والعكس صحيح أيضًا.
وبالإضافة إلى توظيف شركات استثمارية واجهة لإخفاء العوائد غير المشروعة خلف أنشطة تجارية قانونية ظاهريًا، على غرار أنشطة الاستيراد والتصدير، العقارات، الأغذية،، مع استخدام شبكات الحوالة التقليدية والتهريب النقدي المباشر لتفادي العقوبات المالية المفروضة على شبكات التمويل الإيرانية والتابعة لـ"حزب الله".
"الجوكر" نبيه بري
في خضم كل هذا الزخم، يظهر اسم رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري ورئيس حركة "أمل" فاعلًا أساسيًّا في هذه المنظومة.
ووفقًا لتقارير بحثية مطلعة، فإنّه لا يمكن قراءة تاريخ الجاليات اللبنانية في غرب إفريقيا بمعزل عن العائلات والشخصيات التي راكمت ثروات طائلة من اقتصاد "الظل" و"تجارة الموارد الطبيعية، وعلى رأسها نبيه بري، الذي ولد في 1938 في سيراليون لعائلة لبنانية تنحدر من تبنين.
وتضيف أنّ حضور عائلة بري والجيل المؤسس للمغتربين تجاوز الإطار الاجتماعي العادي ليرتبط بشبكات معقدة من المصالح التجارية وشركات التعدين واحتكار قطاع الماس الذي شكّل لعقود طويلة الشريان المالي الأبرز لما يمكن تسميته بـ"الشتات الشيعي الإفريقي".
وتؤكد المصادر أنّ والد نبيه بري مصطفى بري كان من وجهاء المغتربين العاملين في تجارة الماس بسيراليون، وهي البيئة التي نجح بري فيها في بناء شبكة تحالفات واسعة مع أبرز أقطاب المال والأعمال المغتربين هناك، مثل رجل الأعمال النافذ الراحل جميل سعيد محمد وغيره من أباطرة تجارة المال والأخشاب الذين سيطروا على مفاصل الاقتصاد السيراليوني.
وعلى الرغم من التباين التاريخي في الأجيال التنظيمية بين حركة أمل وميليشيا "حزب الله"، فإنّ شبكات المصالح العابرة للحدود في إفريقيا شكلت نقطة تقاطع وتوافق استراتيجية.
فالأموال التي جناها رجال الأعمال المرتبطون بالبيئة السياسية الشيعية اللبنانية في سيراليون ودول غرب إفريقيا، مثل كوت ديفوار والسنغال، أسهمت بشكل واضح في تمويل البنى التحتية والمؤسسات المدنية والشبكات الاقتصادية التي تحتاجها الميليشيا في حشد الدعم والتأييد من بيئتها المذهبية على الأقل.
إذ مع صعود حركة أمل وتثبيت نفوذها السياسي في لبنان، برزت على سطح الأحداث شراكات سياسية واقتصادية معقدة بين القيادات التقليدية للحركة مع شبكات ميليشيا "حزب الله"، حيث تقاطعت المصالح في السيطرة على مفاصل التجارة الحيوية والقطاعات المصرفية والعقارية في لبنان، والممولة مباشرة من أموال "الشتات" الإفريقي.
ولا تزال هذه الشبكات قائمة والشراكات تشتغل وتمدّ ميليشيا "حزب الله" ببدائل مالية وتسليحية، حتى وإن أقررنا بتراجع دورها وتقلصه نوعًا وكمًا.
في المحصلة، وفي الوقت الذي تواجه فيه شبكات ميليشيا "حزب الله" المالية في إفريقيا ضربات استخباراتية غير مسبوقة وتشديداً للرقابة الدولية والمحلية، لا سيما بعد اغتيال القيادات السياسية والميدانية الكبرى، وتراجع القدرة على نقل الأموال عبر الممرات التقليدية مثل مطار بيروت، تظل شبكات الشتات في غرب إفريقيا وسيراليون تحت المجهر الأمني الدولي.
ويبقى تقاطع المصالح التاريخية والسياسية والمالية بين الوجوه البارزة في الداخل اللبناني وشبكات المال الإفريقية أحد أكثر الملفات تعقيداً في تتبع شريان التمويل العابر للقارات.