المصدر: النهار
الكاتب: نبيل بو منصف
الجمعة 1 أيار 2026 08:30:56
كلما أطل تعبير "الترويكا" على المشهد الداخلي اللبناني عليك التوجس، سلباً أو إيجاباً. هو التعبير الذي يختصر إشكالية لبنانية في النظام الدستوري والسياسي توجب إطاحة القاعدة الجوهرية للنظام الديموقراطي السويّ المعلّقة بالفصل بين السلطات، كما يستحضر الوحي المشؤوم للوصاية السورية البائدة، ولو بعد نهايتها منذ عقدين ونهاية نظامها البائد.
مع ذلك، كان ثمة عودة لإحياء لقاء ثلاثيّ رئاسيّ في لبنان حتّمته تعقيدات الظرف الذي يُملي الاستعدادات لانطلاق مسار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل، علّه يخرج لبنان من براثن العبث الإيراني القاتل المتحكّم بمصيره، عبر إشعال حروب "المقاومة" المزعومة في حروب الإسناد التي يخوضها "حزب الله" بالوكالة عن الحرس الثوري، فسقطت المحاولة في مهدها.
التخريب الإيراني
سلّطت مبادرة رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، إلى تفجير اشتباك سياسي علني هو الأول من نوعه مع رئيس الجمهورية اللبنانية جوزف عون، الأضواء الكاشفة على طبيعة التخريب الإيراني، الذي يمارس حالياً في لبنان من خلال الضغوط المتنوعة التي تمارسها طهران مباشرة، وعبر "حزب الله"، لمنع لبنان من تسديد رصاصة الرحمة على آخر مواقع النفوذ التخريبي الإيراني متى ذهب بقوة نحو مسار تفاوضيّ بدعم استثنائي تاريخي من الإدارة الأميركية.
كان الرئيس بري، الذي يشغل واقعه الضعيف المتراجع الكثير من الديبلوماسيات العربية والغربية لجهة التعويل على تمايز موقفه من الحرب عن موقف شريكه الشيعي "حزب الله"، نقطة رهان أخيرة في إتمام وإنجاز مظلّة توافق شبه إجماعية، تترجم توق الأغلبية الساحقة من اللبنانيين إلى لفظ سياسات الحزب في استدراج الحروب والكوارث إلى لبنان. لكن بري أسقط هذا الرهان، من دون شك، وأثبت عجزه عن الإيفاء بمتطلباته، ولو أن كثراً لم يفاجأوا بذلك، لإدراكهم أن المرجع الشيعي الرسمي الأول في البلاد صار في وضع أوهن من أن يقوى على آخر جولات العبث الإيرانية بلبنان.
ولعل المفارقة أن الإعلام الممانع الموالي والتابع لـ "حزب الله" كان قبل أيام استفاض بتضخيم فاقع لما اعتبره تفخيماً فوق العادة من جانب المملكة العربية السعودية لموقع ومكانة ودور بري، عبر التحرك الأخير للموفد السعودي إلى لبنان، وراح يعلي هذا الأمر على أنه مؤشر إلى فرملة سعودية لاندفاعة الرئيسين جوزف عون ونواف سلام نحو المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. لكن سقوط محاولة إحياء الترويكا على قاعدة التوافق على استراتيجية التفاوض مع إسرائيل، كشف أمرين متلازمين: أولاً خوف "حزب الله" ومعه، ووراءه، إيران من توافق داخلي يكمله بري على المضي بسرعة نحو المفاوضات، بما يحاصره ويعزله وينهي أي مشروعية مزعومة لمواجهته إسرائيل. وثانياً اندفاع الوصي الإيراني على الثنائي الشيعي إلى آخر رقصات الاحتضار في لبنان للتأثير على الولايات المتحدة ثأراً لفصل المسارين اللبناني والإيراني عن بعضهما البعض الذي نجحت واشنطن في إحداثه.
حسابات السياسة وحسابات الميدان
لذا ترانا أمام الحلقة الأشد إثارة للتدقيق في طبيعة الضغوط التي تمارسها إيران وذراعها اللبنانية، سواء عبر الساحة الميدانية في جنوب لبنان، أو عبر السياسة بمصادرة الرهان على موقف متمايز لرئيس البرلمان عن موقف شريكيه في السلطة من المفاوضات لإضعاف موقف الدولة اللبنانية كلاً. أغلب الظن أن هذه الحسابات في السياسة لن تختلف نتائجها عن حسابات الميدان.
فعلى وقع الانتصار المزعوم للحزب احتلت إسرائيل ودمّرت ما يفوق كل ما احتلته ودمرته في اجتياحاتها السابقة للبنان. والظروف التي ظنت طهران أنها تخدمها في زعزعة السلطة اللبنانية، ستكون كفيلة بكشف الجانب الآخر من احتضار نفوذها هذه المرة فيما ينازع نظامها البقاء على ميدانه في لبنان.