اجتماعات باريس ماذا لو...


على أصوات قرقعة الطبول وصيحات المتظاهرين وهدير المواجهات بين المحتجين والشرطة، تشهد باريس هذا الأسبوع سلسلة لقاءات ومشاورات تجمع مصرف لبنان والمصارف وصندوق النقد الدولي ومستشارين ماليين، بينهم «روتشيلد».

لا تنطلق المفاوضات من نقطة الصفر، بل تستند إلى مسار من تبادل الآراء والمواقف، في محاولة للاتفاق على توزيع الخسائر وتحديد مسؤوليات الأطراف المعنية. إلا أن الوصول إلى تفاهم لا يزال يتطلب معالجة ثلاث نقاط خلافية أساسية، تتصل بتراتبية المطالبات (Hierarchy of Claims)، ومستقبل القطاع المصرفي وقدرته على استعادة دوره في تمويل الاقتصاد، وأخيراً التزام الدولة بمسؤولياتها المالية تجاه مصرف لبنان.

تبرز مسألة تدرّج أولوية المطالبات في صلب الخلاف. فمصرف لبنان يقترح مقاربة متكاملة تشمل تصنيف الودائع إلى نظامية وغير نظامية، ومعالجة الخسائر وفق معايير واضحة، بالتوازي مع إصلاح ميزانيته وإعادة رسملة المصارف. ويرى المركزي أن تطبيق التراتبية بمعزل عن هذه العناصر لن يعالج الأسباب البنيوية للأزمة، وقد يؤدي إلى تحميل المودعين والمصارف أعباء إضافية من دون توفير حل مستدام.

النقطة الثانية، تتعلق بضمان إعادة رسملة المصارف من دون تغيير هويتها أو إقصائها عن دورها الطبيعي في الاقتصاد. فالمطلوب، ليس مجرد استيفاء الشروط المحاسبية لإعادة الرسملة، بل تمكين المصارف من استعادة قدرتها على العمل والائتمان وتمويل المؤسسات والأفراد، بعد البدء بتنفيذ قانون الفجوة المالية. إذ إن معالجة الودائع لا يمكن أن تكون هدفاً منفصلاً عن إعادة بناء قطاع مصرفي قادر على استعادة الثقة والمساهمة في تحريك النشاط الاقتصادي. وأي حل لا يضمن استمرار المصارف وإمكان إعادة تفعيلها قد يترك الاقتصاد من دون قناة أساسية للتمويل.

تتمثل النقطة الثالثة في مسؤولية الدولة عن ديونها لمصرف لبنان. إذ يطرح المركزي ضرورة أن تعترف الدولة بالتزاماتها وأن تتعهد بتسديد فوائد سنوية تتراوح بين 500 و600 مليون دولار على دينها، على مدى 20 أو 30 سنة، وفق المدة التي سيُتفق عليها لتنفيذ الحل في إطار قانون الفجوة المالية. ويهدف هذا الطرح إلى توفير مورد مالي مستدام يساهم في إصلاح ميزانية المركزي.

في موازاة ذلك، لا يزال صندوق النقد، وفق المعلومات المتداولة عن المفاوضات، متحفظاً على بعض النقاط المطروحة، ولا سيما ما يتصل بترتيب معالجة الودائع. وفي نقاش سابق، سأل أحد نواب الحاكم مسؤولاً في الصندوق عن إمكان معالجة الشوائب في بعض الودائع قبل تطبيق التراتبية، فجاء الجواب، بحسب المعلومات، أن الفوائد المرتفعة والتحويلات من الليرة إلى الدولار لا تُعدّ في حدّ ذاتها شوائب. أما الحسابات المشبوهة التي يتعذر تحديد المستفيد الاقتصادي الحقيقي منها، ولا سيما المرتبطة بأنظمة سقطت، فكان ينبغي إخضاعها للمعالجة والشطب بصمت.

قد لا تنتهي اجتماعات باريس باتفاق نهائي، لكنها تستطيع أن تمثل خطوة إضافية نحو تضييق الخلافات. ولكن، ماذا لو تمّ التفاهم على كل النقاط العالقة. في هذه الحالة يصبح التوصل الى قانون يعيد الودائع ويحمي المصارف وينشّط الاقتصاد، في متناول اليد. وبالمناسبة، قد ينعكس التفاهم الاولي في باريس، تسريعاً في تنفيذ قرار رفع قيمة المدفوعات بموجب التعميمين 158 و166.

قد لا يأتي الحل دفعة واحدة، لكن مفاوضات الخطوة خطوة، قد تفضي بالنتيجة الى حل ينتظره الجميع منذ سبع سنوات.