المصدر: النهار
الاثنين 23 آذار 2026 17:00:02
تتجه الأسعار العالمية إلى الارتفاع خلال المرحلة المقبلة، ليس فقط بسبب نقص بعض السلع، بل نتيجة أزمة متصاعدة في سلاسل الإمداد العالمية، وطرق الشحن البحري. فالمشكلة اليوم لا تتعلق بالإنتاج فقط، بل بالوقت والكلفة والمخاطر التي تواجه نقل البضائع حول العالم.
ببساطة، السفينة التي كانت تنقل البضائع بين آسيا وأوروبا أو الشرق الأوسط لم تعد تسلك الطريق نفسه بالسرعة نفسها، مع إقفال مضيق هرمز، خصوصاً إن كانت متوجهة من الخليج العربي إلى العالم. فبعض السفن بات يسلك طرقاً أطول لتفادي مناطق التوتر، كالدوران حول رأس الرجاء الصالح، وبعضها ينتظر أياماً إضافية للدخول إلى الموانئ، فيما يواجه جزء كبير منها ارتفاعاً كبيراً في تكاليف التأمين والشحن.
هذا التأخير ليس تفصيلاً تقنياً، إنما هو عامل اقتصادي مباشر، يرفع الأسعار على المستهلك النهائي.
في عالم التجارة، الوقت يساوي مالاً. كل يوم إضافي تقضيه السفينة في البحر يعني استهلاك وقود أكثر، وأجور طواقم أعلى، وكلفة تشغيل إضافية، وأقساط تأمين أكبر، خصوصاً في المناطق المصنفة عالية المخاطر، كما يحصل اليوم على مقربة من مضيق هرمز، أو حتى في باب المندب.
هذه التكاليف لا تتحملها شركات الشحن أو الشركات المستوردة على المدى الطويل، بل تُضاف تدريجياً إلى سعر السلعة، لينتهي الأمر بالمستهلك الذي يدفع الفاتورة.
إن أردنا تبسيط الصورة، يمكن أخذ مثال جهاز هاتف ذكي سعره الأساسي 1000 دولار. مع الاضطرابات الحالية في الشحن والتأمين والتأخير، يمكن أن يرتفع سعره بشكل ملحوظ نتيجة عوامل متراكمة:
- أولاً، كلفة الشحن: تشير التقديرات إلى أن كلفة شحن الإلكترونيات ارتفعت نحو 10 إلى 20%، ما يضيف تقريباً بين 50 و80 دولاراً على سعر الجهاز.
- ثانياً، كلفة التأمين: في مناطق التوتر، ارتفعت أقساط التأمين على الشحنات 3 إلى 5 أضعاف. وعلى السعر النهائي للسلعة، يُترجم ذلك زيادة تقارب 2 إلى 3%، أي ما بين 20 و30 دولاراً إضافياً على سعر الهاتف.
ثالثاً، عامل التأخير ونقص المعروض: عندما تتأخر الشحنات وتصل كميات أقل إلى الأسواق، يقل العرض ويرتفع السعر تلقائياً. قد تتراوح هذه الزيادة بين 5 و10%، أي بين 50 و100 دولار إضافية.
عند جمع هذه الزيادات، يمكن أن يرتفع سعر الهاتف الذي كان يباع بـ1000 دولار إلى ما بين 1150 و1200 دولار تقريباً.
وهذا المثال لا ينطبق على الهواتف وحدها، بل على معظم السلع المستوردة، من الإلكترونيات إلى قطع السيارات والأدوات المنزلية وحتى بعض المواد الغذائية.
لذلك، قضية ارتفاع الأسعار في المرحلة المقبلة لا ترتبط فقط بالتضخم أو بالأسواق المحلية، بل تبدأ من طرق الشحن العالمية والموانئ وشركات التأمين وأسعار الوقود.
باختصار، المشكلة ليست في المتجر الذي يبيع السلعة، بل في الرحلة الطويلة التي تقطعها السلعة قبل أن تصل إلى الرف. وعندما تصبح هذه الرحلة أطول وأخطر وأكثر كلفة، يصبح ارتفاع الأسعار أمراً شبه حتمي.