المصدر: نداء الوطن
الكاتب: ريشار حرفوش
السبت 8 آب 2026 07:35:41
عشرون عامًا تفصل بين مشهدين، وبينهما حربان وبلد لا يزال يبحث عن الطريق الأقصر للخروج من دائرة النار. في تموز 2006، كان أسر "حزب الله" جنديين إسرائيليين الشرارة التي أشعلت حربًا، قبل أن يُقفل ملف الأسرى بعد عامين بصفقة تبادل بوساطة ألمانية. وفي 2026، يعود ملف المحتجزين إلى الواجهة، ولكن هذه المرة من باب مختلف: طاولة المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية أميركية. وإذا كان ملف الأسرى قد شكّل قبل عشرين عامًا مدخلا إلى حرب، فهل يساهم اليوم في إنهاء مفاعيل حرب أخرى؟
تزداد رمزية المشهد مع تزامن انتهاء جولة روما الأخيرة، لا النهائية، مع مرور عام على القرار التاريخي الذي اتخذه مجلس الوزراء في جلستي 5 و7 آب 2025، حين قرر حصر السلاح بيد السلطة الشرعية وقواها العسكرية والأمنية، واعتبر سلاح "حزب الله" خارجًا على القانون.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر دبلوماسية لـ"نداء الوطن" أن الوفد اللبناني بحث خلال مفاوضات روما ملف المحتجزين، مشيرة إلى أن بيروت تدرك تعقيدات هذا الملف، ولا سيما أنها "لا تملك حتى الآن لائحة رسمية ونهائية بالأسماء، وتتعامل مع عدد من الحالات على أنهم في عداد المفقودين"، ولذلك تطالب إسرائيل بتقديم اللائحة الموجودة لديها.
وبحسب المصادر، تم خلال المفاوضات تبادل لوائح أولية، إذ قدم الجانب اللبناني معطيات تتعلق بالمحتجزين والمفقودين، فيما قدم الجانب الإسرائيلي لائحة بأسماء يهود مفقودين أو مقتولين، تطالب إسرائيل باستعادة رفاتهم منذ الثمانينيات.
أما الأولوية اللبنانية، فتتمثل في الفصل بين الملفات وتصنيف الحالات، وتحديدًا التمييز بين المدنيين والعسكريين، على أن تبدأ المعالجة بإطلاق دفعة أولى من المدنيين في أسرع وقت ممكن. وفي هذا السياق، تلقى الوفد اللبناني تطمينات أميركية بمتابعة ملف عدد من المدنيين والعمل على البت فيه، بحسب ما كشفت المصادر، واصفة أجواء المسار بأنها "إيجابية"، لافتة إلى وجود توجه لمعالجة ملف المدنيين الموجودين لدى إسرائيل وملف "حزب الله" على نحو منفصل، بما يسمح بعدم ربط الحالات المدنية ببقية الملفات الأكثر تعقيدًا.
وبحسب المصادر، لا تملك الدولة اللبنانية حتى الآن رقمًا نهائيًا يمكن الركون إليه، سواء كان 37 أو 34 أو رقمًا آخر، نتيجة تشابك أكثر من عامل.
فبعض الأشخاص الذين يتم التداول بأسمائهم على أنهم مدنيون قد يكونون، وفق المعلومات المتوافرة، مكلفين من "حزب الله" بمهمات معينة قبل احتجازهم من الجانب الإسرائيلي، وفي المقابل، هناك مدنيون فعليون لا تتوافر للدولة معلومات كاملة عنهم، لأن عائلات بعضهم تتواصل وتنسق مباشرة مع "الحزب" من دون إبلاغ الجهات اللبنانية أساسًا بواقعة الاحتجاز. فبالتالي، تدخل الدولة مسارًا تفاوضيًا بالغ الحساسية، فيما لا تزال تحاول استكمال الصورة حول الأشخاص الذين تفاوض من أجلهم.
حبيب: المدنيون محتجزون وليسوا أسرى
بدوره، وضع الأمين العام السابق لوزارة الخارجية اللبنانية السفير وليام حبيب بداية النقاش في إطاره القانوني، وأوضح أن إطلاق المحتجزين المدنيين خلال النزاعات المسلحة يخضع لأحكام القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، فيما تؤدي اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أو أي جهة ثالثة محايدة يقبل بها الطرفان المعنيان، دورًا أساسيًا في تسهيل عمليات الإفراج وتبادل المحتجزين.
ولفت حبيب لـ"نداء الوطن" إلى ضرورة الدقة في المصطلحات المستخدمة، موضحًا أن وصف المدنيين بالأسرى غير دقيق قانونيًا، إذ إن تعبير الأسرى ينطبق على المحاربين، فيما ينبغي استخدام تعبير "المحتجزين" عند الحديث عن المدنيين.
أما في الحالة اللبنانية الراهنة، فرأى حبيب أن مسعى الإفراج عن المحتجزين لدى إسرائيل يندرج في إطار تنفيذ تفاهمات وقف إطلاق النار، ويشكّل أحد إجراءات بناء الثقة وحسن النية بين الطرفين، فضلًا عن كونه بندًا أساسيًا في المباحثات التي يقوم بها الوفد اللبناني، سواء في واشنطن أو في روما، برعاية أميركية.
ويعوّل لبنان، وفق حبيب، على الدور الأميركي لإنجاز هذا الملف، ولا سيما في ظل رفض إسرائيل أي وساطة أو دور للجنة الدولية للصليب الأحمر في هذا الشأن.
ولا تبدو العودة إلى عام 2006 تفصيلا تاريخيًا عند الحديث عن الأسرى، فاستعاد حبيب تلك المرحلة مذكّرًا بأن حرب تموز بدأت بعدما أسر "حزب الله" جنديين إسرائيليين بهدف مبادلتهما بمحتجزين لبنانيين لدى إسرائيل، قبل أن تقود التطورات إلى حرب واسعة. وبعد نحو عامين، أدت الوساطة الألمانية إلى صفقة التبادل بين إسرائيل و"الحزب"، والتي أفضت إلى إطلاق خمسة أسرى لبنانيين، في مقدمهم سمير القنطار، إضافةً إلى تسليم رفات لبنانيين ومقاتلين، في مقابل تسليم "الحزب" رفات الجنديين الإسرائيليين اللذين كان قد أسرهما في العملية التي سبقت اندلاع حرب 2006.
وأشار حبيب إلى أن الحكومة اللبنانية آنذاك كانت عمليًا مغيبة عن الصفقة التي تمت بين "حزب الله" وإسرائيل، معتبرًا أن تداعيات الحرب ساهمت لاحقًا في زيادة سطوة "الحزب" ونفوذه داخل لبنان.
لكن هل يمكن قلب المعادلة بعد عشرين عامًا؟ أي أن يكون ملف المحتجزين الذي ارتبط عام 2006 ببداية الحرب جزءًا من مسار إنهائها في 2026؟ وردًا على هذا السؤال، فصّل حبيب هذه المفارقة، مشددًا على أن الحرب الحالية "لا علاقة لها بالأسرى"، معتبرًا أنها جاءت في سياق إقليمي مختلف وارتبطت بإشغال إسرائيل عن إيران، إلا أن ذلك لا يلغي، في رأيه، القيمة السياسية التي يمكن أن يحملها الإفراج عن المدنيين اليوم.
وقال حبيب إن "إطلاق المحتجزين المدنيين يمثل بادرة حسن نية"، مرجحًا ألا يطول إنجاز هذه الخطوة ضمن المسار القائم برعاية أميركية، بما يسمح بتحقيق بعض المكاسب التي تعزز بدورها موقف الحكومة اللبنانية وإصرارها على معالجة الأزمة من خلال الدبلوماسية.
أضاف أن لبنان جرّب الخيار الآخر ورأى حجم الخراب الذي نتج منه، ولذلك فإن المباحثات الدبلوماسية تبقى المسار القادر على الوصول إلى نتيجة. ومن هذا المنطلق، رجح حبيب أن يكون الإفراج عن المحتجزين المدنيين من الخطوات القريبة.
وربط حبيب ذلك بسلة أوسع من الملفات المطروحة على طاولة البحث، ومن بينها التوصل إلى وقف فعلي لإطلاق النار وبدء الانسحابات الإسرائيلية.
حتى ذلك الحين، تبقى الوعود الأميركية موضع اختبار، فبحسب ما كشفت مصادر دبلوماسية لـ"نداء الوطن"، طُرح الأول من أيلول موعدًا لعقد جولة جديدة من المفاوضات، فيما يُفترض أن تستثمر واشنطن الفترة الفاصلة في متابعة ملفي المحتجزين والحدود مع الجانبين.
فإذا كان الأسر قد دخل تاريخ لبنان الحديث من بوابة حرب 2006، فإن السؤال بعد 20 عامًا لم يعد ما إذا كان قادرًا وحده على إنهاء حرب، بل ما إذا كانت الدولة التي غابت عن صفقة الأمس قادرة هذه المرة على الإمساك بالملف، والتفاوض عليه.