المصدر: نداء الوطن
الكاتب: سامر زريق
الخميس 12 آذار 2026 06:54:18
ثمّة العديد من التسريبات التي تتحدّث عن موقف واشنطن السلبي من السلطة في لبنان، ولا سيّما في وسائل الإعلام الأميركية. إلى جانب الرسالة التي تحدّثت عنها الزميلة جويس عقيقي منذ يومين، كانت هناك رسالة أميركية أخرى أكثر حدّة موجّهة إلى برّي تقول إنه لا يصلح للوساطة.
غداة اندلاع الحرب على خلفية إطلاق ميليشيا "حزب اللّه" 6 صواريخ، بقرار مباشر من "الحرس الثوري" وضباطه المنتشرين في لبنان، سارعت دوائر السلطة بالشراكة مع "عين التينة" إلى صياغة مبادرة لإيقاف الحرب، ترتكز على إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية واشنطن، وسعت إلى التواصل مع الجانب الأميركي عبر عدة قنوات.
كان من بينها الموفد الأميركي توم برّاك الذي نشر موقع "أكسيوس" الأميركي ردّه السلبيّ، واعتباره المبادرة "هراء" ما لم تكن مقرونة بتحرك حقيقي من الدولة بشأن سحب سلاح ميليشيا "الحزب". في حين أتت الردود على محاولات "بعبدا" و "عين التينة" التواصل مع بعض دوائر الإدارة الأميركية لتعزز الكلام الذي قاله برّاك، أكان عبر الرسالة الموجّهة إلى برّي الذي لطالما عدّ وسيطًا موثوقًا على مدى عقود، أم عبر الكلام الذي قيل بحق السلطة اللبنانية واعتبارها "غير جديرة بالثقة".
أحد أسباب هذه الردود الأميركية وموقف واشنطن السلبي من السلطة اللبنانية هو معرفتها المسبقة بأن الحرب هي ثمن عدم الجدية في تنفيذ خطة سحب سلاح ميليشيا "الحزب". وفي الأسابيع الأخيرة، كانت الحكومة على بيّنة من اندلاعها، وهو ما أشار إليه وزير الاقتصاد عامر البساط في حديث إعلامي، إلّا أنها استمرّت في ما يوصف عربيًا ودوليًا بنهج مسايرة "الحزب"، حتى عقب اندلاع الحرب على إيران.
وفي هذا الصدد، تشير المعلومات إلى أن البساط كان يعتزم تقديم استقالته برفقة 4 وزراء آخرين للخروج بـ "سلام" قبل انفجار الأحداث. كما تشير المعلومات أيضًا إلى أن أي طرف في لبنان لم يحصل على تعهّدات من "الحزب" بعدم التورّط في الحرب، بما في ذلك الرئيس برّي. لكن الجميع تصرّف وفق قناعة بأنه لن ينزلق إلى هذا الخيار الانتحاري في ظلّ معرفته بمدى جدية تهديدات الحكومة الإسرائيلية، والسيناريوات التدميرية التي تعكف عليها.
يضاف إلى ذلك بأن اتكال السلطة اللبنانية على الدور الفرنسي، كما أشار الرئيس نواف سلام في حديثه لصحيفة "لوريان دو جور"، يزيد سلبية الموقف الأميركي. فبينما تعمل واشنطن على إضعاف نفوذ باريس في المنطقة والتمهيد لإخراجها، وترامب يزدري ماكرون علانية، وبنمط متكرّر، ويرفض مشاركة الدول الأوروبية في الحرب على إيران، فإن التعويل على الوساطة الفرنسية يغدو بمثابة رهان محدود التأثير، ترتبط فرص نجاحه بمدى إمكانية رفده باتصالات وجهود خليجية، وسعودية خصوصًا.
من خلال ما سبق، يمكن تبيّن مدى حراجة موقف الرئيس برّي، واعتماده نهج التسريبات الغاضبة إزاء "حزب اللّه"، دون الوصول إلى اتخاذ موقف علني من الخطيئة التي ارتكبها، لمحاذير ترتبط بعدم تفجير خلاف شيعي بيني في هذه اللحظة الحساسة، زد عليها بعض التسريبات التي تتحدّث عن إمكانية صدور تكليف من "الحرس الثوري" باستهدافه بينما يستشعر تهديدًا وجوديًا يدفعه لاتخاذ قرارات جنونية والمقامرة بكل شيء.
في موازاة الهجوم الذي تشنه حسابات تابعة لـ "حركة أمل" على "حزب اللّه" عبر منصّات التواصل الاجتماعي، لتوريطه لبنان وشعبه وشيعته بحرب لحساب "النظام البريتوري"، كنسخة محدثة عن نظام الملالي على حدّ توصيف الدكتور وسام سعادة، والذي يضاهي بل ويفوق أحيانًا الهجوم عليه من قبل خصومه الكثر من مختلف الشرائح اللبنانية.
ينقل بعض زوّار "عين التينة" أنهم حين يسألون سيّدها عن الوساطات الجارية لإنهاء الحرب وفرص التسوية يكون الجواب "راجعوني بعد شهر". فالتواصل بين "حزب اللّه" و "أخيه الأكبر" شبه مقطوع، حيث يبدو الأول متصلّبًا وشديد التحفز ليكون شريكًا أصيلًا ومضاربًا في أي تسوية ستعقد.
فيما يعتبر الرئيس برّي أنه خلال مهلة الشهر سيكون "الحزب" أُنهك ليأتي ويطلب منه التدخل والوساطة لإنقاذ رأسه، خصوصًا في ظلّ السيناريوات المطروحة لحصول اجتياح بري، أو استهداف بعلبك – الهرمل بالذات، فضلًا عن نهج التهجير المتعمّد ومآلاته. إذ ذاك تصبح بين يديه ورقة قوية يمكنه طرحها على الطاولة وتجييرها لحساب الدولة، وفي الوقت عينه الردّ على الرسالة الأميركية.