المصدر: المدن
الكاتب: ندى اندراوس
السبت 18 نيسان 2026 01:28:30
يدخل لبنان مرحلة دقيقة تتجاوز لحظة وقف إطلاق النار إلى ما يمكن وصفه بـ"المرحلة الثانية" من إدارة الصراع، حيث تنتقل الأولوية من تثبيت التهدئة إلى إطلاق مسار تفاوضي معقّد، محكوم بسقف سياسي وأمني واضح، وبأجندة لبنانية محددة تستند إلى أربعة عناوين رئيسية، ستشكّل محور أي نقاش مقبل مع الجانب الإسرائيلي.
وفق معلومات خاصة لـ"المدن"، فإن المفاوضات المرتقبة ستنطلق على قاعدة ترتيب البنود بشكل تراكمي، بحيث يُفتح الباب أمام الانتقال من بند إلى آخر تبعاً لحجم التقدم المحقق. وهذه البنود اللبنانية هي:
أولاً، الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، ولو بشكل تدريجي.
ثانياً، عودة الأسرى.
ثالثاً، إعادة إنتشار الجيش اللبناني حتى الحدود مع الأراضي الفلسطينية المحتلة.
رابعاً، البحث في النقاط المتنازع عليها على الخط الأزرق، للانتقال بعدها إلى مرحلة تثبيت الحدود.
هذه المقاربة المرحلية تعكس إدراكاً لبنانياً لتعقيدات التفاوض، كما تعكس في الوقت ذاته محاولة لتفكيك الملفات الحساسة وتحييدها عن أي إنسداد شامل قد يطيح بالمسار برمّته.
بين التقييم والتوقيت
حتى الآن، لم يُحسم موعد بدء المفاوضات بشكل نهائي، إلا أن مصادر مطلعة كشفت لـ"المدن" أن الأسبوع المقبل سيشهد تواصلاً أميركياً لبنانياً إسرائيلياً، إما عبر لقاء في وزارة الخارجية الأميركية أو من خلال إتصال عبر الفيديو على مستوى السفراء، مع ترجيح كفة عقد الاجتماع في الخارجية، كما حصل في الاجتماع الأول. الهدف من اللقاء سيكون تحديد زمان إنطلاق المفاوضات رسمياً ومكان انعقادها، بعد استكمال تقييم وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل في الأيام القليلة المقبلة.
تقول المصادر إن هذا التقييم يُعدّ مفصلياً، إذ سيبنى عليه القرار النهائي ببدء التفاوض، في ظل إدراك واضح بأن إحتمال الخروقات يبقى قائماً في أي لحظة. غير أن المصادر نفسها قللت من خطر الانزلاق إلى خرق كبير، مستندة إلى ما وصفته بـ"التشدد الأميركي الرئاسي" في هذا الصدد.
من الغموض إلى الحسم
في هذا السياق، توضح المصادر، يبرز الدور الحاسم للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي شكّل تدخله نقطة تحوّل أساسية في تثبيت وقف إطلاق النار. فالاتصال الذي أجراه برئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، والذي استمر لأكثر من ثلاثين دقيقة، حمل مؤشرات إيجابية بالنسبة إلى الجانب اللبناني.
المصادر كشفت لـ"المدن" أن ترامب لم يكن مطلعاً بشكل كافٍ على تفاصيل الوضع اللبناني، ما دفع الرئيس عون إلى تقديم شرح موسّع للواقع السياسي والميداني، متوقفاً عند جملة من النقاط الحساسة. وخلال الاتصال، أكثرَ ترامب من الإشادة باللبنانيين، معبّراً عن محبته للبنان وتقديره لنجاحات اللبنانيين في الخارج.
الأهم أن الرئيس عون طلب من نظيره الاميركي بشكل واضح وقف إطلاق النار، وهو ما أكده ترامب لاحقاً عبر تغريدة بهذا المعنى. هذا المناخ الإيجابي، وفق مصادر بعبدا، يبرّر التفاؤل بإمكان تثبيت الهدنة، ويعزز القناعة بأن واشنطن تمارس ضغطاً جدياً على إسرائيل. وتذهب المصادر أبعد من ذلك، حاسمة أن المسار اللبناني "مفصول كلياً" عن المسار الإيراني، خلافاً لما تروّج له طهران، التي تقول إنها ساهمت في وقف النار.
لقاء الخارجية 2
إذا، يستعد لبنان لمرحلة جديدة عنوانها إجتماع على مستوى السفراء في وزارة الخارجية الأميركية، حيث سيتم تثبيت إطار المفاوضات وتحديد زمان ومكان الجولة الاولى.
بعدها، سيترأس الوفد اللبناني، كما بات معلوماً السفير سيمون كرم، على أن تُستكمل قريباً صورة الفريق اللبناني النهائي، بانتظار إتضاح حجم ومستوى التمثيل الإسرائيلي في هذه المحادثات.
هذا الترقب يعكس حرصاً لبنانياً على مبدأ التوازن في التفاوض، سواء من حيث المستوى السياسي أو التقني، بما يضمن عدم الانزلاق إلى تفاوض غير متكافئ.
حقيقة اللقاء الثلاثي
في موازاة الحديث عن المفاوضات، أثار كلام الرئيس ترامب عن لقاء ثلاثي محتمل يجمعه والرئيس عون ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الكثير من التساؤلات. إلا أن مصادر بعبدا نفت وجود أي مسار فعلي بهذا الاتجاه في الوقت الراهن.
وكشفت أن الفكرة طُرحت في خلال لقاء السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى أثناء وجوده في واشنطن مع الرئيس ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو، عشية الاتصال الذي أجراه الأخير مع الرئيس عون. وقد جرى التواصل مع رئيس الجمهورية عبر السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض، إلا أن رد عون كان حاسماً: لا يمكن البحث في لقاء مع نتنياهو في ظل استمرار الحرب والاحتلال، ومن دون وجود دافع واضح لمثل هذا الاجتماع.
هذا الموقف نُقل إلى الجانب الأميركي، حيث أبدى روبيو تفهّماً كاملاً له، وهو ما تأكد أيضاً خلال الاتصال الهاتفي مع الرئيس عون.
وبذلك، تسقط عملياً كل الروايات التي تحدثت عن إتصال ثلاثي أو لقاء قريب، إذ تؤكد المصادر أن أي حديث من هذا النوع سابق لأوانه، وأن الأولوية يجب أن تبقى لمسار وقف إطلاق النار وتثبيته، ثم إطلاق المفاوضات وتحديد أجندتها، قبل الانتقال إلى أي مستوى سياسي أعلى.
الأولوية للنتائج
في المحصلة، يقف لبنان أمام إختبار دقيق في محطة مفصلية من تاريخ الصراع مع إسرائيل: الانتقال من هدنة هشّة إلى مسار تفاوضي فعلي، محكوم بتوازنات إقليمية ودولية معقدة. وبين التفاؤل الحذر والقلق المشروع من الخروقات، تبقى الأولوية بالنسبة إلى لبنان، وفق ما تؤكد مصادر رسمية، تحقيق نتائج عملية تتطابق مع الأجندة اللبنانية.
فالرهان الحقيقي يكمن في القدرة على ترجمة الاجندة اللبنانية إلى وقائع ميدانية: إنسحاب إسرائيلي، عودة الاسرى، إنتشار الجيش، وتثبيت الحدود، ليبنى على ما بعد ذلك أي إطار يحفظ سلامة الأرض اللبنانية وسلامها . وما عدا ذلك، يبقى في إطار الضجيج السياسي الذي لا يغيّر في المعادلة شيئاً.