الاقتصاد اللبناني تحت ضغط الحرب والانكماش

ثبت مصرف لبنان تقديراته لحجم الناتج المحلي الإجمالي عند نحو 33 مليار دولار مع بداية السنة الحالية، مدعوما بنمو بلغ 3.8% نهاية عام 2025.

هذا التقدير، المتقاطع مع أرقام صندوق النقد الدولي التي وضعت الناتج الاسمي عند نحو 34.5 مليار دولار، أسقط التقديرات التي تجاوزت 40 مليار دولار، وأكد أن الاقتصاد اللبناني لايزال بعيدا عن مستواه السابق قبل أزمة 2019 حين تخطى 54 مليار دولار، وسط استمرار التوازن الهش بين التعافي المحدود ومخاطر الانكماش الجديد.

وقال مرجع مالي لـ«الأنباء» إن «هذا التحديد المرجعي يشكل أساسا لكل مقاربة مالية ونقدية مقبلة، سواء فيما يتعلق بإعادة هيكلة القطاع المصرفي، أو بملف الودائع، أو بخطط الانتظام المالي، أو حتى في تقدير قدرة الدولة على تحمل أعباء إعادة الإعمار. فالناتج المحلي هو المؤشر الذي تبنى عليه نسب العجز والدين والإنفاق العام، وبالتالي فإن تضخيمه أو التقليل منه يقود إلى سياسات خاطئة قد تزيد من هشاشة الاقتصاد».

وأشار المرجع إلى أن «القراءة النقدية للمراجعة الماكرواقتصادية الصادرة عن مصرف لبنان، تظهر أن العام الماضي شهد بالفعل بوادر انتعاش متواضع، مدفوعا بتحسن نسبي في مستوى الحوكمة، ووجود حكومة كاملة الصلاحيات مقارنة بمرحلة تصريف الأعمال، إلى جانب خطوات تنظيمية في قطاعات حيوية كالكهرباء والاتصالات، وتعزيز الرقابة على الحدود. كما ساهم استئناف المحادثات مع صندوق النقد الدولي وتحسن العلاقات مع دول الخليج في خلق مناخ من التفاؤل الحذر بإمكانية عودة تدريجية للمساعدات الخارجية ورؤوس الأموال».

وأضاف: «هذا الانتعاش بقي محدودا ولم يتحول إلى دورة نمو مستدامة، فالزيادة الاسمية في واردات السلع الاستهلاكية بنسبة 17.3% تعكس تحسنا نسبيا في الطلب الداخلي، إلا أنها تبقى أدنى من متوسط مستوياتها بين 2010 و2019، ما يعني أن الاستهلاك لم يستعد زخمه الطبيعي بعد. كما أن رفع سقوف السحوبات للمودعين بموجب التعاميم النقدية ساعد في ضخ سيولة إضافية داخل السوق، إلا أن تراجع التحويلات من المغتربين بنسبة 2.7% شكل إشارة مقلقة، باعتبار هذه التحويلات أحد الأعمدة الأساسية للاستهلاك اللبناني».

ولفت المرجع إلى أن «التحسن السياحي خلال النصف الثاني من العام الماضي، مع ارتفاع أعداد الوافدين بنسبة 64%، لعب دورا مهما في تعويض جزء من هذا التراجع، لكنه بدوره يبقى مرتبطا بالاستقرار الأمني والسياسي، وهذا عنصر مفقود حاليا مع اتساع دائرة المواجهة العسكرية. كذلك فإن ارتفاع واردات الآلات والمعدات بنسبة 31.9% لا يمكن اعتباره دليلا حاسما على عودة الاستثمار، إذ لاتزال هذه الأرقام أقل بنحو 40% من متوسطها التاريخي، ما يرجح أن التحسن ناتج عن انخفاض قاعدة المقارنة أكثر مما هو نتيجة دورة استثمار حقيقية».

وشدد المرجع على أن «الصورة تبدو أكثر قتامة مع عودة البلاد إلى مناخ عدم اليقين بفعل الحرب المستمرة وتداعياتها الإقليمية، وهذه العوامل لا تضغط فقط على الأسواق، بل تهدد بإعادة الاقتصاد إلى مرحلة الانكماش الحاد، وسط تقديرات أولية تشير إلى احتمال تراجع الناتج المحلي هذه السنة بنسبة لا تقل عن 7%، مع خسائر مباشرة وغير مباشرة تقارب 5 مليارات دولار حتى الآن».

وأوضح أن «القلق لا يقتصر على الأرقام الكبرى، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية. فالتضخم الذي انخفض سابقا إلى 12.2%عاد ليسجل قفزة مقلقة تجاوزت 17% بنهاية الربع الأول من السنة، ما يعني أن القدرة الشرائية للأسر تتعرض مجددا لضربات قاسية. كما أن تراجع إيرادات الخزينة بأكثر من 35 في المائة خلال شهرين فقط، يضع المالية العامة أمام اختبار صعب، خصوصا مع تزايد الإنفاق المرتبط بمساعدة أكثر من مليون نازح واحتياجات الدعم الاجتماعي والخدمات الأساسية».

وتابع المرجع: «القطاع الخاص بدوره يدخل مرحلة انكماش حاد، لاسيما في القطاعات السياحية والفندقية والخدمية، مع مؤشرات متزايدة على فرض إجازات قسرية، وخفض الرواتب، وتعليق مستحقات العاملين، تمهيدا لاحتمال توسع موجات الصرف الجماعي. وهذا المسار إذا استمر فسيؤدي إلى دورة ركود اجتماعي واقتصادي يصعب احتواؤها سريعا».

وأكد أن «مصرف لبنان يركز على أولوية الحفاظ على الاستقرار النقدي ومنع اهتزاز سعر الصرف، باعتباره آخر خطوط الدفاع عن الاقتصاد، بالتوازي مع العمل على إعادة الودائع وفق قانون الانتظام المالي، واستعادة عافية القطاع المصرفي باعتبارها المدخل الإلزامي لأي نمو فعلي. غير أن نجاح هذه الأهداف يبقى مرتبطا بشرط سياسي وأمني أساسي يتمثل في وقف الانزلاق نحو حرب أوسع».