الالتفاف حول الجمهورية ورئيسها

 

إذا بحثت في عدم اعتماد السفير الإيراني تجد بصمات حريص على الجمهورية.

وإذا فتشت في خلفية اتخاذ قرار الحكومة بحظر "حزب اللّه" تجد بصمات حريص على الدولة والمؤسسات.

وإذا تساءلت عن هندسة المفاوضات المباشرة، ومن دون عناء تعرف أن أياديَ أمينة تريد وقف حرب الآخرين، تعمل من دون صخب.

كلّ هذا الكلام معنيّ به جوزاف عون ولو كان من استفاضة لقيل ما لا يجب أن يكشف الآن.

لا نقاش في أن وراثة الحمل الثقيل لا تعفي من تحمّل المسؤولية، ولا خلاف على أن ما أنتجته إيران في لبنان لا يمكن تفكيكه بألعاب سحرية أو بضغطة زر. لكن، في المقابل، لا مفرّ من استثمار الخيارات المحدودة المتاحة للإبقاء على عمود فقري متعب اسمه الدولة، على قيد الحياة.

في قصر بعبدا، واقعية بلا تشاؤم، وحذر بلا تفاؤل مفرط. الاتصالات التي أجراها الرئيس جوزاف عون قبل الضربة الكبيرة لم تُفضِ إلى جواب حاسم بشأن إمكان شمول لبنان بالهدنة. هذا الغموض تُرجم، قبل يومين، بموجة غارات منسّقة أكّدت ما كان مرجّحًا: إسرائيل لن توقف الحرب، حتى في ظلّ هدنة أعلنها دونالد ترامب مع إيران.

الدولة تعبّر عن نفسها في بعبدا بإرادة واضحة: استعادة القرار والتمسّك به. لا يقبل الرئيس عون باختزال لبنان على طاولة التسويات، لا بإيران ولا بغيرها. الدولة اللبنانية وحدها هي المفاوض، وليس أي طرف آخر، وخصوصًا ذاك الذي يوزّع "انتصاراته" على أنقاض الأبنية المدمّرة، وعلى مسامع نازحين لم تعد تطربهم شعارات النصر الوهمي.

الدولة تفاوض عن لبنان، نقطة على السطر. هذه هي رسالة بعبدا إلى اللبنانيين وإلى العالم. أمّا أدوات التفاوض، فلا يمكن المساومة عليها أو استنزافها في بازار المصالح.

يبقى السؤال المفصلي: لو التزمت إسرائيل بالهدنة، هل كان رئيس الجمهورية سيتجاوز العوائق الموضوعة في وجهه، للذهاب إلى مفاوضات مباشرة، متخطّيًا القيود المفروضة على طبيعة الوفد اللبناني؟ سؤال جوابه ليس تفصيلًا، بل قد يشكّل بداية مرحلة جديدة في تاريخ الصراع.

بين هاجس حرب مستمرّة مدمّرة، ومخاطر اقتصادية ونقدية متفاقمة، وخسائر متزايدة في البشر والحجر، وبين حملات منظمة من محور "حروب الآخرين"، وأخرى تفتقد إلى الحكمة من بعض أهل الداخل، يصرّ الرئيس عون على التمسّك بورقة يعتبرها البعض مجرّد نصوص من زمن فؤاد شهاب، لكنها في الحقيقة جوهر وجود الدولة: الشرعية.

هذا المفهوم، الذي يقوم عليه أساس بقاء الدولة والجمهورية، يفترض أن يكون حافزًا لكلّ من ضاق أفقه أو استساغ الانتحار السياسي، للعودة قبل فوات الأوان، والالتفاف حول الجمهورية ورئيسها.

إنه خيار العقل في زمن ندرت فيه الحكمة إلى حدّ الانقراض.