المصدر: المدن
الكاتب: ندى اندراوس
الاثنين 21 أيلول 2026 00:35:05
لم يكن الالتباس الذي أحاط بالبعثة الأوروبية المقترحة إلى لبنان مجرد سوء فهم تقني لطبيعة مهمتها، بل كشف عن تداخل ثلاثة ملفات يجري العمل عليها بالتوازي: دعم الجيش والقوى الأمنية، ترتيبات الجنوب بعد إنتهاء مهمة اليونيفيل، ومحاولة أوروبا استعادة موقع لها في إدارة أزمات المنطقة، في ظل حضور أميركي طاغٍ وتحفظ إسرائيلي عن أي وجود دولي جديد قرب الحدود.
هذا التداخل حضر في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، بعدما أدرجت وزارة الخارجية والمغتربين في البند الخامس من جدول الأعمال موضوع إنشاء بعثة أوروبية مدنية وعسكرية في لبنان، للمساهمة في التنفيذ الكامل للقرار 1701، ودعم الحكومة في تعزيز سلطة الدولة واحتكارها للسلاح، ومساعدة الجيش وقوى الأمن الداخلي على فرض السيطرة على الأراضي والحدود اللبنانية.
لكن النقاش لم يُستكمل. فالصياغة الواردة في البند، إلى جانب الكلام الذي سبق الجلسة وترافق مع كلام لوزير الخارجية يوسف رجي، أوحت بأن لبنان يتجه إلى استقبال قوة أوروبية يمكن أن تحل محل اليونيفيل في الجنوب. وسرعان ما أثار الأمر إعتراضات وتساؤلات داخل الحكومة، قبل أن يتبين أن كلام الوزير فُهم على غير مقصده، وأن البعثة المعروضة مختلفة كلياً عن القوة التي يجري البحث في إمكان نشرها بعد انتهاء المهمة الدولية.
وبحسب ما أوضحت مصادر حكومية ل"المدن"، أُرجئ البحث لنحو أسبوعين، على أن تتولّى وزارتا الدفاع والداخلية إعداد لائحة دقيقة بحاجات الجيش والقوى الأمنية، وبرامج التدريب والتأهيل المطلوبة، تمهيداً لاستكمال النقاش على أساس تصور لبناني واضح، لا على أساس عناوين عامة قابلة لتفسيرات سياسية وأمنية متناقضة.
ثلاث أدوات أوروبية
مصادر دبلوماسية كشفت ل"المدن" أن بروكسيل تعمل على تطوير بعثة جديدة في لبنان ضمن «السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة للاتحاد الأوروبي»، المعروفة اختصاراً بـCSDP. وقد نال المضي في إعدادها موافقة الدول الأعضاء السبع والعشرين، على أن تعمل تحت العلم الأوروبي، وأن تُحدّد طبيعتها وحجمها انطلاقاً من تقييم حاجات المؤسسات اللبنانية.
وتشدد المصادر على ضرورة التمييز بين ثلاثة مسارات أوروبية منفصلة. الأول هو الدعم التقليدي الذي يقدمه الاتحاد الأوروبي لبناء المؤسسات وتطوير قدرات الأجهزة العسكرية والأمنية. والثاني هو «مرفق السلام الأوروبي»، الذي يتيح تقديم تجهيزات عينية للجيش، من آليات ومعدات غير فتاكة وتجهيزات طبية ولوجستية، إلى جانب التدريب على إستخدامها. أما المسار الثالث والجديد، فهو بعثة CSDP، التي لا تقوم مهمتها الأساسية على تسليم المعدات، بل على الاستشارة والتدريب ورفع مستوى التنسيق والتخطيط بين المؤسسات. وقد يشمل عملها تطوير قدرات مراقبة الحدود، والتدريب على استخدام الطائرات المسيّرة، وتعزيز البنية التكنولوجية وأنظمة المعلومات، وفق الأولويات التي تحددها الدولة اللبنانية.
وهو ما أكدته الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس، عندما تحدثت عن بعثة هدفها مساعدة الجيش والمؤسسات الرسمية، لا نشر جنود أوروبيين في جنوب لبنان.
فالوفد الأوروبي الذي زار بيروت أخيراً لم يأتِ لإطلاق المهمة، بل في إطار مرحلة تحضيرية لاستطلاع الحاجات ومناقشة التفاصيل التقنية مع الجانب اللبناني. ومن المرتقب أن يصل وفد آخر في منتصف تشرين الأول لاستكمال العمل، فيما يُتوقع إطلاق البعثة بين نهاية العام 2026 وبداية العام 2027، على أن تمتد مهمتها سنوات عدة.
ليست بديلاً عن اليونيفيل
تؤكد المصادر الدبلوماسية أن بعثة CSDP لن تنشر قوة عسكرية على الأرض، ولن تتولى مهمات أمنية مباشرة في الجنوب، ولا تشكل بديلاً عن اليونيفيل، كما أنها مستقلة عن المبادرات الفرنسية والإيطالية الرامية إلى بلورة صيغة للوجود الدولي بعد انتهاء مهمة القوة الأممية.
لكن الخلط بين المسارين لم يكن تفصيلاً عابراً. فالحديث عن بعثة أوروبية جاء فيما يدور نقاش أكثر خطورة بشأن مرحلة ما بعد اليونيفيل، وسط طرح تمديد انتقالي لمهمتها، ودرس تشكيل آلية دولية أصغر حجماً لمواكبة الجيش، ومراقبة الحدود، والمساعدة في إزالة الألغام وبناء أبراج المراقبة ودعم عودة الأهالي وإعادة الإعمار.
وتقول مصادر مطلعة لـ "المدن" إن العقبة الفعلية لا تكمن في إستعداد أوروبا وحده، بل في الموقف الإسرائيلي. فإسرائيل لا تريد قوة أوروبية أو أممية جديدة، وتسعى إلى فرض علاقة ميدانية مباشرة بينها وبين الجيش اللبناني بعد انسحاب اليونيفيل، بما يجعل الطرفين في مواجهة مباشرة من دون مظلة دولية أو آلية ضامنة.
هذا التصور يرفضه لبنان، الذي يتمسك بوجود رعاية دولية، وخصوصاً أميركية، لأي آلية مستقبلية. كما لا يضع فيتو على الدولة التي قد تترأس لجنة التحقق أو على الدول الراغبة في المساهمة فيها، شرط ألا يؤدي ذلك إلى فراغ دولي في الجنوب أو إلى تحميل الجيش وحده مسؤولية إدارة إحتكاك يومي مع إسرائيل.
ثمرة سياسة الانفتاح
في هذا السياق، اكتسبت زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لباريس بعداً يتجاوز العلاقات الثنائية. فمصادر مقربة من قصر بعبدا أوضحت لـ "المدن" أن تجدد الاهتمام الدولي بلبنان يعود، في جانب أساسي منه، إلى سياسة الانفتاح التي اعتمدها الرئيس، وإلى المبادرات التي أطلقها لتحريك المسار التفاوضي وكسر الجمود الذي أحاط بالملف اللبناني.
لقد أعاد هذا النهج تقديم لبنان أمام العواصم العربية والأوروبية بوصفه دولة تسعى إلى استعادة قرارها ومؤسساتها، لا مجرد ساحة تنتظر التسويات الخارجية. وهو ما أتاح إعادة طرح دعم الجيش، ومستقبل الجنوب، وإعادة الإعمار، ضمن مقاربة دولية أكثر اتساعاً.
وبحسب المصادر، لأوروبا مصلحة مباشرة في استقرار لبنان. فالدول الأوروبية تنظر إلى أي انهيار أمني أو اجتماعي جديد باعتباره عاملاً قد يعيد تحريك موجات الهجرة والنزوح عبر المتوسط، في بلد يستضيف أعداداً كبيرة من النازحين واللاجئين ويعاني أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة.
لكن الاهتمام الأوروبي يحمل أيضاً بعداً سياسياً. فباريس، ومعها عدد من العواصم الأوروبية، تحاول استعادة هامش للتحرك في المنطقة، بعدما تقلص دورها أمام الأحادية الأميركية، وخصوصاً في ملفات لبنان وسوريا وإيران والعلاقة مع إسرائيل. ومن هنا، شكلت زيارة الرئيس عون فرصة لتثبيت لبنان مدخلاً لحضور عربي أوروبي يجمع بين الأمن والإنماء والدعم المؤسسي.
في هذا الاطار اندرجت القمة اللبنانية الفرنسية الأردنية. فهي لم تقتصر على حشد مساعدات للجيش، بل رسمت مساحة تعاون عربية أوروبية حول استقرار لبنان، في ظل العلاقة الوثيقة بين الرئيس عون والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، والدور الذي تؤديه عمّان في نقل هواجس المنطقة إلى العواصم الغربية.
غير أن المصادر الدبلوماسية نفسها، حذرت من رفع سقف التوقعات، إذ إن الاجتماعات التي عُقدت حتى الآن لا تزال استطلاعية، وقدّم خلالها لبنان لوائح بحاجات الجيش وقوى الأمن، فيما ستعود الدول المشاركة إلى حكوماتها لتحديد ما يمكن أن تقدمه.
ويظل المؤشر العملي هو تحديد موعد واضح لمؤتمر دعم الجيش. فإذا بقي الموعد معلقاً، فهذا يعني أن التحفظات السياسية، ولاسيما الأميركية، ما زالت تمنع الانتقال من إعلان النيات إلى الالتزامات التنفيذية.
تصور جديد لدور الجيش
المقاربة المطروحة لا تنظر إلى الجيش باعتباره مجرد قوة تنتشر مكان قوة أخرى، بل بوصفه المؤسسة التي يفترض أن تستعيد الدولة من خلالها سيادتها ووظيفتها الأمنية على كامل الأراضي اللبنانية.
غير أن هذا الدور يحتاج إلى إمكانات عسكرية ولوجستية وتكنولوجية، وإلى تنسيق أفضل بين الجيش والأمن العام والجمارك وسائر المؤسسات المعنية بإدارة الحدود. وتلفت المصادر الأوروبية إلى أن ضعف التنسيق بين هذه الأجهزة شكّل إحدى أبرز الثغرات.
كما أدى تراجع الاستثمار الرسمي خلال السنوات الماضية إلى نقص كبير في التجهيزات والبنية التحتية الرقمية وأنظمة المعلومات. ولهذا يُرتقب أن يزور لبنان وفد أوروبي متخصص في تكنولوجيا المعلومات لتقييم الثغرات وتحديد مجالات الدعم. وكل هذا يفترض أن يكون ضمن مهام البعثة الاوروبية المطروحة.
فالمصادر الدبلوماسية الاوروبية تعتبر أن الارتفاع المتدرج في حجم المساعدات الأوروبية يعكس ثقة بالمؤسسة العسكرية وبقدرتها على بسط سلطة الدولة. لكن نجاح هذا التصور لا يرتبط بالتجهيز وحده، إذ لا يمكن للجيش أن ينتشر في أراضٍ لا تزال محتلة، أو أن يتحمل مسؤولية الجنوب فيما تستمر الاعتداءات الإسرائيلية والتوغلات وأعمال التجريف والتدمير.
عودة الدولة إلى الجنوب
يتجاوز الرهان الأوروبي على الجيش البعد العسكري إلى إعادة الدولة بمؤسساتها وخدماتها إلى الجنوب. فالفراغ الذي يُخشى حصوله بعد اليونيفيل ليس أمنياً فقط، بل هو تنموي واجتماعي أيضاً. ولا يمكن فصل عودة الأهالي عن إعادة الإعمار وتأمين الخدمات وفرص العيش، ولا معالجة نفوذ حزب الله بالأداة الأمنية وحدها من دون إيجاد بدائل لدوره الاجتماعي والاقتصادي والصحي.
ومن هنا، يُبحث في مرحلة انتقالية قد تشمل تمديداً تقنياً ومحدوداً لليونيفيل، لا يتجاوز الستة أشهر، بحسب ما كشفت مصادر مطلعة لـ "المدن"، ريثما تتضح صورة الاحتلال الإسرائيلي، وتُجهّز وحدات الجيش، وتبدأ إعادة إعمار القرى. ويجري بالتوازي درس آلية دولية أصغر حجماً وأقل طابعاً عسكرياً، يمكن أن تضم مساهمات أوروبية وعربية وربما آسيوية، وتتركز مهمتها على مساعدة الجيش ومراقبة الحدود وإزالة الألغام ودعم السكان.
إلا أن أي صيغة من هذا النوع تحتاج عملياً إلى موافقة أميركية وضمانات تحول دون استهداف عناصرها، كما تحتاج إلى قبول لبناني وعدم اعتراض إسرائيلي. وهنا تحديداً يظهر سبب التحرك المتواصل لرئيس الجمهورية مع الجانب الأميركي: إقناع واشنطن بأن إنهاء اليونيفيل من دون بديل أو مرحلة انتقالية لن يعزز الاستقرار، بل سيترك الجيش وإسرائيل وجهاً لوجه في منطقة لم تُحل فيها بعد قضايا الاحتلال والحدود ووقف النار.
في أي حال، ليست بعثة CSDP هي القوة البديلة لليونيفيل، لكنها جزء من تصور أوسع يراد له أن يهيئ المؤسسات اللبنانية لمرحلة جديدة. أما السؤال الأصعب، فلا يتعلق بقدرة أوروبا على إرسال مدربين ومستشارين، بل بإمكان التوصل إلى تفاهم سياسي يسمح بانسحاب إسرائيل، ويمنع الفراغ الدولي، ويوفر للجيش اللبناني شروط الانتشار، ويعيد الدولة بأمنها وخدماتها إلى الجنوب. من دون ذلك، ستبقى المبادرات الدولية أدوات دعم مهمة، لكن من دون البيئة السياسية التي تتيح لها التحول إلى حل فعلي.