المصدر: المدن
الكاتب: منير الربيع
الخميس 5 شباط 2026 00:15:12
من السير على حبل مشدود، إلى الدخول في حقل ألغام قابل للتفجر أي لحظة، انتقلت المفاوضات الأميركية الإيرانية. كل من الجانبين حاول شد الحبل إليه، حتى وصل الى حد الانقطاع وانهيار المفاوضات التي لا يريد لها أحد أن تنهار سوى إسرائيل. من الأساس كان الجميع يتعاطى مع المفاوضات بخفر، بسبب التباعد في الطروحات. أصرت أميركا على التفاوض حول الملفات كلها بشكل كامل، من النووي الى الصواريخ البالستية، الى النفوذ الإقليمي وانهاء دعم الحلفاء، إلى تغيير وجهة النظام او من داخله وصولاً لملف الغاز والنفط. أما إيران فتريد حصر المفاوضات بالملف النووي فقط، وهو ما لا توافق واشنطن عليه في ظل الحشد العسكري الضخم في المنطقة.
لا أحد يمتلك معلومة أو جواً أو تقديراً حول ما يمكن أن يحصل، وعلى الرغم من نجاح المساعي الدولية والعربية لإنقاذ المفاوضات، لا يمكن لأي جهة أن تتوقع نجاحها أو فشلها والوصول الى حرب محتومة. ولا أحد قادر على التنبؤ بما إذا كانت الحرب ستقع أم ستنجح المنطقة بتفاديها. على الخيط المشدود حاولت ايران السير لنقل المفاوضات من تركيا إلى سلطنة عمان، أي العودة الى المسار القديم، وهو ما رفضته الولايات المتحدة، لكنها عادت وقبلت به.
بالتزامن ارتفع منسوب الضغط الإسرائيلي على الأميركيين للاتجاه نحو العمل العسكري، استناداً إلى الخرائط التي قدمها بنيامين نتنياهو لستيف ويتكوف. حتى أن إسرائيل تحاول الحصول على ضوء أخضر أميركي لتنفيذ ضربات ضد البرنامج الصاروخي الإيراني وتدميره. السيناريوهات كثيرة، خصوصاً في حال وجد الأميركيون تعثراً في مسار التفاوض مع طهران، وهو ما قد تستغله إسرائيل لتنفيذ عملياتها الأمنية أو العسكرية وبعدها استدراج الأميركيين إلى المعركة.
اعتراضات على الدور التركي
إسرائيل مارست ضغوطاً كبيرة لمنع انعقاد التفاوض في تركيا، خصوصاً أن أنقرة عرضت نقل المخزون المخصب بدرجة عالية من اليورانيوم إلى الأراضي التركية، وهو ما يستحيل أن توافق عليه تل أبيب، التي تسعى إلى الحدّ من أي دور تركي على مستوى الإقليم. كذلك، وبحسب بعض المعطيات، فإن هناك اتجاهات داخل الإدارة الأميركية تعارض أن يتم تلزيم تركيا الملف الإيراني أيضاً، خصوصاً في ظل الدور الذي تلعبه في سوريا، وغزة وبين روسيا وأوكرانيا، ما يعني وجود اعتراضات داخل الإدارة الأميركية على توسيع الدور التركي في المنطقة.
إيران تفضّل عُمان
في المقابل، فإن إيران دفعت نحو عمان لأنها لا تريد التخلي عن دورها، وهي تعتبر أن سلطنة عمان هي قناة التفاوض الأساسية. كما أن طهران تنظر إلى دور مسقط بوصفه محصوراً بالجانب التفاوضي فقط، وليس لديها طموحات للعب دور إقليمي، بخلاف تركيا التي قد تراكم على كل هذه المسارات لتوسيع دورها ونفوذها. كذلك، فإن إيران تريد العودة إلى النقطة التي توقفت المفاوضات عندها قبل الضربات في حزيران الماضي. وعلى الرغم من سعي إيران للاستفادة من موقف الدول العربية المساعد لتجنب الحرب، لكنها تريد من خلال حصر التفاوض في عُمان هو أن يكون الاتفاق مع الأميركيين فقط وليس مع أي دولة أخرى، لأن ذلك سيؤدي إلى توسيع نطاق المطالب الإقليمية. يُذكر أن إيران كانت في العام 2015 تعارض دخول أي دولة إقليمية إلى مسار المفاوضات حول الاتفاق النووي.
... والصواريخ البالستية؟
إيران لا تزال غير مقتنعة بمسألة طرح ملف الصواريخ البالستية على الطاولة. ويعتبر الإيرانيون أنه بمجرد الدخول إلى طاولة مفاوضات في تركيا، وبحضور دول عربية وإسلامية، فإن حجم المطالب سيتوسع أكثر، لا سيما أن دول الخليج، وقبيل الاتفاق النووي السابق في العام 2015، عرضت أن تشمل المفاوضات ملف الصواريخ البالستية والنفوذ الإقليمي، وهذا ما لا تريد طهران البحث به حالياً، أو قبل الوصول إلى تفاهمات حول الملف النووي بالحد الأدنى.
في السياق، تكشف مصادر ديبلوماسية عن حصول تنسيق بين السعودية وتركيا وقطر ومصر لإنجاح المفاوضات، ودعم مسارها، ولو كانت متدرجة، أي أن تبدأ بمناقشة الملف النووي، وبعد الوصول إلى تفاهمات بشأنه، يتم البحث في الملفات الأخرى، ومن بينها الصواريخ البالستية، ونفوذ إيران في المنطقة، ومن ضمنها الصواريخ التي لا تزال بحوزة حزب الله في لبنان.
عملية سريعة
أمام كل هذه الوقائع، هناك من يبدي خشيته من أن يكون قرار الحرب متخذاً، وتأجيل تنفيذ العملية العسكرية يرتبط بانتظار الجهوزية الكاملة للقوى الأميركية، بشكل تكون جاهزة لأي تطور دراماتيكي قد يحصل. وكي تتمكن القوات الأميركية من التجاوب مع هذه التطورات، فليس من مصلحة واشنطن حصول انهيار أو فوضى في إيران، كما أنها لا تريد الدخول في حرب طويلة، بل هناك تصميم على عملية عسكرية سريعة تؤدي إلى تغيير الوقائع. هنا ثمة من يستصعب إمكانية تقديم إيران للتنازلات الكبيرة التي يريدها ترامب، وهو بدوره لن يكون قادراً على تقديم أي تنازل لصالحها.