الثقة لنواف سلام: أكثرية تحمي الحكومة وحسابات متباينة لدى المعارضين

لم يكن تصويت مجلس النواب على الثقة بحكومة الرئيس نواف سلام مجرد رقم انتهى إلى 68 صوتاً، مقابل 12 لحجبها وامتناع نائبين. فالخريطة التي ظهرت في نهاية الجلسة حملت رسائل سياسية تتجاوز النتيجة نفسها، من التمايز داخل الثنائي الشيعي، إلى الغطاء السني الواسع، وصولاً إلى تماسك القوى الداعمة للحكومة، بما يفسر استمرار الغطاء العربي والدولي لها وصعوبة إسقاطها

أبرز الرسائل جاءت من "الثنائي". فحركة "أمل" حضرت الجلسة وصوّتت بوضوح لمصلحة الحكومة، فيما انسحب نواب "حزب الله" قبل الاقتراع ولم يشاركوا فيه. وعلى رغم تقاطع الطرفين في انتقاد عدد من الخيارات، ولا سيما في ملفات الجنوب والتفاوض والسلاح، فإن لحظة التصويت كشفت اختلافاً في طريقة مقاربة المرحلة.


"أمل" تعاملت بواقعية سياسية: انتقدتها لكنها لم تدخل في معركة إسقاطها. أما "حزب الله"، فاختار ألا يعطيها الثقة، ولم يصوّت ضدها.


لكن خلف هذا الموقف حسابات أكثر دقة. فبحسب معلومات "النهار"، حاول "حزب الله" إقناع "التيار الوطني الحر" بعدم طرح الثقة، تحديداً لتجنب إحراجه أمام جمهوره. فالحزب كان يدرك أن حجب الثقة لن يؤدي إلى إسقاط الحكومة، وأن التصويت ضدها سيضعه أمام مواجهة سياسية لا يريدها في هذه المرحلة.


إلا أن التيار أصرّ، محاولا الاستفادة من الظرف الشعبي والنقمة على السلطة، ومن فرصة إعادة تقديم نفسه قوة معارضة لا تتحمل مسؤولية قرارات الحكومة وتبعاتها. وبذلك، تحولت الأصوات الـ12 إلى ما يراه التيار مكسبا سياسيا له، رغم معرفته بأن إسقاط الحكومة غير ممكن.


مأزق

لكن هذا الإصرار وضع "حزب الله" في المأزق الذي حاول تفاديه. فالتصويت ضد الحكومة يعني المواجهة المباشرة معها، فيما تجديد الثقة يناقض الخطاب الذي خاض به نوابه الجلسة. فجاء الانسحاب من القاعة كحلّ وسط.


إلا أن الانسحاب لم ينهِ الإحراج، بل نقله إلى الجمهور. فبحسب المعلومات المتوافرة، لم تتقبل فئة من مناصري الحزب بسهولة فكرة أن عدم التصويت يمثل موقف اعتراض، وقرأته على أنه ابتعاد عن المواجهة، خصوصاً أن التيار ذهب إلى حجب الثقة بوضوح، فيما بقي الحزب خارج الاقتراع. وهكذا، تحولت محاولة تجنب الإحراج إلى إحراج من نوع آخر، إذ بدا الحزب أمام جزء من جمهوره كأنه قبل باستمرار الحكومة، أو دعم بقاءها بطريقة غير مباشرة.

وهنا المفارقة السياسية: "التيار" أراد قطف المكسب الشعبي من المعارضة، لكنه دفع "حزب الله" إلى الانسحاب، والحزب الذي حاول ثنيه عن حجب الثقة منعاً لإحراجه، وجد نفسه أمام إحراج مختلف بعد التصويت.


في المقابل، شكلت الأصوات السنية إحدى أبرز نقاط قوة الحكومة. فقد نالت حكومة سلام الأكثرية السنية المطلقة من النواب المشاركين في التصويت، بما يضمن لها غطاءً سياسياً داخل البيئة السنية ويعكس طبيعة الدعم السعودي لها. إلى ذلك، بقيت القوى النيابية الأساسية الداعمة للحكومة متماسكة، من القوى السيادية إلى "اللقاء الديموقراطي" وعدد من التغييريين والمستقلين.

 

دعم دولي

هذه المعادلة تفسر أيضاً استمرار الدعم الدولي للحكومة: فهي تملك أكثرية نيابية، وغطاءً سنياً واضحاً، وقوى سياسية داعمة لم تتحول إلى جبهة لإسقاطها، فيما لا يبدو أن "حزب الله" نفسه يريد الدفع نحو فراغ حكومي.


فإسقاط الحكومة في هذه المرحلة لا يضمن تأليف أخرى أكثر قرباً منه، وربما يعطي الإسرائيلي ذريعة لاستكمال الحرب عليه، فيما تحتاج بيئته إلى حكومة قائمة تدير ملفات النزوح والأضرار وإعادة الإعمار والمساعدات، وتتفاوض مع الجهات العربية والدولية. لذلك، يبقى الاعتراض على الحكومة مختلفاً تماماً عن الدفع نحو إسقاطها.

هكذا، كشفت جلسة الثقة أن حكومة سلام لا تستند فقط إلى رقم الـ68، بل إلى شبكة أوسع من التوازنات: أكثرية سنية، وقوى داعمة متماسكة، ودعم سعودي ودولي، وواقعية "أمل" في التعامل معها، مقابل معارضة التيار وانسحاب "حزب الله" من التصويت. وفيما نجح التيار في تسجيل موقف معارض، بقيت الحكومة قائمة، ودفع الحزب ثمن محاولة تفادي المواجهة أمام جزء من جمهوره.