الجمهورية المزدوجة: سلطة دستورية وسلطة مسلّحة

على مدى أربعة عقود، اعتمدت الجمهورية الإسلامية في إيران مرارًا على النفوذ القسري كأداة من أدوات سياستها الخارجية. وقد أظهرت استعدادًا مستمرًا لفرض تكاليف على خصومها وشركائهم، بهدف التأثير في مسارات التفاوض أو الردّ على ما تعتبره عدوانًا. وما يصفه منتقدوها بـ "الابتزاز" يُقدَّم في العقيدة الاستراتيجية الإيرانية بوصفه ردعًا عبر تصعيد غير متكافئ.

بالنسبة إلى إيران، تُفهم العلاقات الدولية بوصفها علاقات تبادلية تحكمها اعتبارات بقاء النظام ومتطلّبات الردع. فعقيدتها تقوم على استثمار حالة عدم الاستقرار، وعلى مقاربةٍ تتعامل مع العلاقات بوصفها مصالح موقتة، ومع الجغرافيا بوصفها أداة ضغط. فعندما تتعرّض طهران لضغوط، لا تميل إلى خفض التصعيد، بل إلى توسيع نطاق الصراع بحيث يشعر الخصوم بارتداد كلفته.

وبذلك، فإن الاعتداءات التي طالت دول الخليج في الآونة الأخيرة لا تمثل انحرافًا عن هذا النمط، بل امتدادًا لمبدأ قديم: التصعيد الأفقي عند التعرّض لضغط عمودي. ويتجلّى ذلك في أدوات متعدّدة، من أخذ الرهائن والحروب بالوكالة، إلى سياسة حافة الهاوية النووية، وتهديد التجارة البحرية، وصولًا إلى الهجمات الصاروخية المباشرة.

 

فمن منظور طهران، يشكّل هذا النهج وسيلة لتعويض اختلال ميزان القوى العسكري التقليدي. وقد أوضحت مرارًا استعدادها لـ "حرق الأطراف لحماية المركز"، حتى لو كانت تلك الأطراف قد أسهمت سابقًا في الحفاظ عليه.

ضمن تلك البنية، يحتلّ "حزب اللّه" دورًا مركزيًا فريدًا، ولا يمكن فصل سلوكه عنها؛ فهو نشأ داخلها بدعمٍ تنظيمي وعسكري من الحرس الثوري الإيراني.

بالتالي، ومن منظورٍ عقائدي، لا يُعدّ توريط لبنان في حربٍ ضد إسرائيل من قبل "حزب اللّه" انحرافًا عن المسار الطبيعي. فعندما تتعرّض مصالح النظام في إيران للخطر ويتسع نطاق المواجهة، تصبح الأطراف الإقليمية المتحالفة مع طهران أدواتٍ ضمن استراتيجية قسرية أوسع.

وفي هذا السياق، جاء خطاب نعيم قاسم ليؤكد المؤكّد، ويتنصّل من المساءلة عبر خطابٍ مُشبّع بالمغالطات المنطقية. ومن أبرز آليات هذه المغالطات اللجوء إلى إطار التضحية الديني، واستحضار المعنى السامي الذي يُحصّن القرارات السياسية المتهوّرة من التدقيق والمحاسبة. فالتقديس، في هذا الإطار، يرفع الاستراتيجية السياسية إلى مستوى يتجاوز النقاش العام.

وعندما يُشيد بالنازحين، يضفي بذلك حصانةً رمزية على سياسته. وفي هذه الحصانة يكمن التشويه المنطقي الأساسي: استراتيجية سياسية لا تستند إلى أدلّة على فعاليتها، بل إلى الهالة الأخلاقية التي تحيط بأولئك الذين يتحمّلون كلفتها. وتفضي هذه المناورة إلى مغالطة ثانية هي الانقلاب الأخلاقي؛ إذ تُحوَّل الخسارة المادية بلاغيًا إلى انتصار رمزيّ، وكأن الصمود بحدّ ذاته دليل على النجاح الاستراتيجي.

لكن الأهمّ أنه بعد توريط لبنان في الحرب، إثر قرار اتخذ خارج مؤسّسات الدولة، سقطت حجة "المقاومة" لـ "حماية لبنان". الأمر الذي واجهته الحكومة بإعلان حظر الأنشطة الأمنية والعسكرية لـ"حزب اللّه" فورًا، باعتباره خارجًا عن القانون، وإلزامه بتسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية وحصر نشاطه في المجال السياسي.

غير أن المشكلة الأعمق تكمن في أن هذه المجموعة لم تفصل يومًا بين جناحيها السياسي والعسكري. ففي الرسالة المفتوحة لـ "حزب اللّه"، التي أعلنت انطلاقته الرسمية عام 1985، لم يؤكد فقط ولاءه لمبدأ ولاية الفقيه، بل أعلن أيضًا رفضه النظام اللبناني ومؤسسات الدولة، ودعا إلى إقامة دولة إسلامية. وفي هذا الإطار، يعمل جهازه السياسي بوصفه أداة لحماية السلاح أكثر من كونه إطارًا مستقلًا للعمل السياسي.

وهذه هي بالضبط الحالة الشاذة التي يتسامح معها لبنان منذ سنوات. إذ لا يمكن لمنظمةٍ تحتفظ بجهازٍ مسلّح ومستقلّ، ومتكامل ضمن الإطار الاستراتيجي لـ "الجمهورية الإسلامية الإيرانية"، أن تدّعي في الوقت نفسه تمثيلها الشرعي داخل المؤسسات الدستورية اللبنانية. أي أن تعمل كحزبٍ سياسي داخل البرلمان والحكومة.

ولا يمكن لأي نظامٍ ديمقراطي أن يتحمّل مثل هذا التناقض إلى ما لا نهاية.

لهذا السبب، لم تعد المسألة مجرّد قضية نزع سلاح؛ بل أصبحت مسألة شرعية سياسية. فاستعادة أسس الدولة تتطلّب مبدأً واضحًا: لا توافق بين التمثيل السياسي والقوة العسكرية المستقلة. ولا يمكن أن يكون لبنان في آنٍ واحد جمهوريةً ذات سيادة وساحةَ معركةٍ تحكمها ميليشيا متغلغلة في مؤسّساته.

لم يعد الخيار نظريًا؛ إنه خيار دستوري وسياسي ووجودي يتعلّق بمستقبل الدولة.