المصدر: المدن

The official website of the Kataeb Party leader
الأحد 3 أيار 2026 19:09:22
في الجنوب المشهد مختلف. لا هدنة وإنما حرب مشتعلة وغارات عنيفة بالإضافة إلى تصعيد ميداني متواصل يتخذ أشكالًا متعددة بين كثافة الاستهداف واتساع رقعته، مع توسع نطاق الإنذارات اليومية التي يوجهها المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي أفيخاي أدرعي لبلدات جنوبية، في مقابل أدوات الرد التي يعتمدها حزب الله، في مسرح واضح لطبيعة المواجهة وحدودها.
تتسارع وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية لتطال مساحة جغرافية واسعة من القرى والبلدات الواقعة شمال نهر الليطاني، في تصعيد لا يقتصر على الأهداف العسكرية فحسب، بل يمتد إلى البنى السكنية والحياتية، حيث تستخدم إسرائيل كل المحرمات، في محاولة لإحداث ضغط متواصل، وفرض وقائع جديدة على الأرض عبر الضغط بالنار والتهجير، فيما تبدو المساعي الدبلوماسية في حالة جمود كامل.
ما يحصل في الجنوب يختصر المشهد ككل. الجنوب نعى الهدنة قبل أن تبدأ أصلاً. وإسرائيل تواصل العدوان وتهجير الجنوبيين، في سياسة تهدف إلى دفعهم نحو النزوح القسري، في سياق محاولة ممنهجة لتفريغ المنطقة من سكانها، وتدمير معالمها، ونسف المنازل، والقضاء على تفاصيل الحياة اليومية، في مشهد يرقى إلى محاولة اقتلاع الإنسان من أرضه وذاكرته.
في المقابل، يواصل حزب الله تصديه لقوات الاحتلال، وشن عمليات موجعة ولا سيما من خلال الطائرات المسيّرة، التي باتت تشكل تحديًا متصاعدًا لإسرائيل وتؤدي إلى قلب المعادلات. وفي هذا السياق، أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بخطورة هذا التهديد، معلنًا أنه أصدر قبل أسابيع توجيهات بإنشاء مشروع خاص لمواجهة خطر الطائرات المسيّرة. نتنياهو الذي قال إن "إسرائيل أقوى من أي وقت مضى، ويجب أن تبقى دائمًا أقوى بكثير من أعدائها"، أشار إلى أنه سيتلقى تقريرًا مرحليًا بشأن هذا المشروع (أي مواجهة مسيّرات حزب الله)، الذي يحتاج إلى بعض الوقت لإنجازه.
المفاوضات في حالة جمود
سياسيًا، لا تزال المفاوضات في حالة جمود، في وقت لا يبدو فيه المسار السياسي مواكبًا لحجم الحرب الدائرة في الجنوب. يؤكد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون تمسكه بموقفه من أجل إنهاء الحرب، بينما رئيس مجلس النواب نبيه بري، يواصل الرهان على اتصالاته المفتوحة مع المسؤولين الإيرانيين، ولا سيما وزير الخارجية عباس عراقجي، متابعًا باهتمام مسار المفاوضات الجارية في إسلام آباد بين واشنطن وطهران، والتي يعتقد أنها قد تحمل في الأيام المقبلة انعكاسات مباشرة على الملف اللبناني. العين إذا على إسلام أباد بالنسبة إلى بري مهما طالت هذه المفاوضات كما أوحى بري إلى زواره، مع التأكيد برفض التفاوض المباشر وإسرائيل تضرب الجنوب الحجر فيه قبل البشر، وتأكيده بأنه لا هدنة في لبنان طالما إسرائيل تواصل قصفها في الجنوب.
لكن وإزاء التصعيد المتواصل جنوبًا، يُطرح التساؤل عمّا إذا كان اشتعال الميدان حاليًا مؤشّرًا إلى تطوّر المسار التفاوضي في إسلام آباد، وهل إنّ إسرائيل تستبق في عدوانها أي مسارٍ قد يكون إيجابيًا، فتتجه إلى التصعيد.
لا للمس بالكرامات
أيضاً، على الساحة الداخلية، برزت في الساعات الأخيرة مواقف للنائب حسن فضل الله، إلى جانب موقف البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، ولا سيما في أعقاب التشنج الذي شهدته البلاد على خلفية الفيديوهات المسيئة التي أثارت ردود فعل واسعة. سأل الراعي في عظة قداس الأحد: "إلى أين نحن ذاهبون؟ وما هو مصيرنا في لبنان؟"، واصفاً الوضع الراهن بأنه "حالة معلقة ترهق الإنسان". ولم يغفل الراعي التحولات التي طرأت على النقاش العام، لا سيما على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث لاحظ تصاعد "حرب كلامية" تتجاوز حدود التعبير عن الرأي. وقال: "ما يجري اليوم على وسائل التواصل ليس حرية رأي، بل انحدار مقلق في سلم القيم واللغة واستباحة للكرامات، ولا يحقّ لأحد أن يمسّها".
من جهته، شدد عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب حسن فضل الله على أن المقاومة في لبنان اليوم هي الخيار الوطني الذي لا بديل عنه من أجل تحرير أرضنا والدفاع عن شعبنا وحماية بلدنا، وهي ستتواصل وستستمر وباقية، ولن تتراجع حتى تُجبر العدو على الخروج من أرضنا، ووقف اعتداءاته على بلدنا، ولن تقبل مهما كانت الأثمان والتضحيات بالعودة إلى المرحلة الماضية، أي إلى ما قبل 2 آذار، وهذا قرار محسوم لديها بشكل قاطع. وبالتالي، فإن أي اتفاق جديد سيرسو في لبنان، يجب أن يكون ضامنًا لعدم الاعتداء على بلدنا بأي شكل من الأشكال.
ولفت إلى أن هناك "أثمانًا وتضحيات ندفعها اليوم في هذه الحرب، والذي يدفعها هي بيئتنا وأهلنا والجنوب دفاعًا عن كل لبنان، وكل ما نريده من البعض في بلدنا، أن يكفّ ألسنته وشروره ومؤامراته وطعناته عن مقاومتنا، ونحن بشعبنا وإرادتنا وشهدائنا ومجاهدينا، نتكفّل بأن نواجه هذا العدو، وأن نحرر أرضنا، ونمنع الاعتداء على بلدنا، وهذا خيار أخذناه والتزمناه، ولا عودة عنه، مؤكدًا أن الميدان ثابت، ولدينا رجال أشداء تزول الجبال ولا تهتز أقدامهم في مواجهة العدو، وعليه، فلا خوف على هذه المقاومة، ولا على مستقبلها، وسنسقط أي مؤامرة تستهدفها من أي جهة كانت".
تقارير إسرائيلية متناقضة
على المقلب الأخر، تعكس التقارير الإسرائيلية حجم الانقسام داخل إسرائيل بشأن الحرب وتداعياتها. فبينما يدعو أحد التقارير إلى توسيع دائرة الاستهداف لتشمل البنية التحتية للدولة اللبنانية، معتبرًا أن قرار وقف إطلاق النار منح حزب الله مكاسب وإنجازات ميدانية وسياسية، يذهب تقرير عبري آخر إلى الحديث عن نهاية سياسية وشيكة لنتنياهو، في ظل سلسلة الإخفاقات التي مُني بها.
وتشير صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية في هذا الإطار إلى أن نتنياهو نجح، ليس في تعزيز الدولة، بل في تفكيكها من الداخل، معتبرة أن إنجازه الأبرز تمثل في تدمير مؤسساتها، وتمزيق مجتمعها، وإضعاف جيشها، وإخضاع قضائها، وتحويل إعلامها إلى ساحة فوضى، فيما بات الكنيست، وفق توصيفها، أشبه بمؤسسة فاقدة للتوازن. وترى الصحيفة أن سياسات نتنياهو لم تؤد فقط إلى تعميق أزمات إسرائيل الداخلية، بل أسهمت أيضًا في عزلها دوليًا ودفع العالم إلى إعادة استحضار أكثر صفحات التاريخ قتامة.
بينما تذهب صحيفة "يسرائيل هيوم" إلى ما هو أخطر بكثير، مشيرة إلى أنّه "يجب ضرب، ليس فقط القوة العسكرية لحزب الله بل أيضاً بناه التنظيمية، والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. وكذلك يجب استهداف البنية التحتية للدولة اللبنانية التي تحيط به وتوفّر له الحماية، والتي تُمكّنه فعلياً من العمل. وأخيراً: إن فرض ثمن على حزب الله من خلال دفعه ودفع مؤيّديه شمالاً أثبت فعاليته. فهذه ليست منطقة أمنية تقليدية على غرار الماضي، بل منطقة من نوع جديد تثير القلق داخل التنظيم وبين أنصاره. المشكلة أن إسرائيل اكتفت بالحد الأدنى الذي لا يوفر الأمن الكافي لبلدات الشمال".
وتختم الصحيفة بالقول: "يمكن ويجب كسر إرادة حزب الله، وإذا لم نفعل ذلك، فسنصل إلى الجولة المقبلة - وهي حتمية - من موقع ضُعف، في مواجهة خصم نمنحه نحن بأيدينا الفرصة لإعادة بناء نفسه، استعداداً للمواجهة المقبلة".
مشهد مفتوح إذاً على كل الاحتمالات، وتبدو الأيام المقبلة محكومة بتداخل مسارين متوازيين: تصعيد ميداني مرشح للاستمرار، وحراك سياسي لا يزال ينتظر لحظة انطلاقه الفعلية. وإسرائيل ماضية في نهجها التصعيدي، عبر تكثيف الغارات، وتوسيع دائرة الإنذارات والإخلاءات القسرية، ومواصلة استهداف القرى والبلدات الجنوبية، بما يفاقم الخسائر البشرية والمادية ويعمّق معاناة السكان.
في المقابل، يبقى الرهان قائمًا على ما قد تفضي إليه الاتصالات الإقليمية والدولية، ولا سيما المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران. وإلى ذلك الحين، سيظل الجنوب في قلب المواجهة، بعشرات الشهداء ومئات الجرحى وتهجير قسري لا أفق لنهايته بعد.