"الحزب" يريد الانتخابات تجديداً لشعبية سلاحه

لم تصمد "المرونة" التي أظهرها "حزب إيران/ حزب الله" أكثر من بضعة أيام. كانت مجرد مناورة تبددت مفاعيلها ما إن أعلن الجيش اللبناني أنه ماضٍ في خطة "حصر السلاح". لم يُقدِم مجلس الوزراء على أي مفاجأة أو مباغتة، فالأمر معلن وواضح، بل إنه تأخر، والبلد هو من يدفع كلفة التأخير فيما ينشط "الحزب" في إعادة بناء قدراته. وأصبح معروفاً أنه لا يعدّ لمواجهة جديدة وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، لكنه يستعدّ لاحتمالَين: إثبات وجوده في ما يعدّه "إسناداً لإيران" إذا تعرّضت لعدوان أميركي، وإشعال "حرب أهلية" في حال وصول الجيش إلى مخابئ صواريخه في شمال الليطاني أو ما بعده.

لا بدّ أن "الحزب" أدرك، خلال العامين الأخيرين، أنه لم يعد رهاناً داخلياً، وطبعاً لم يعد أحد، حتى جمهوره، يراه رهاناً وطنياً إيجابياً، على افتراض أنه كان كذلك عندما استولى على الدولة وقرارها. وعلى رغم تفاوت الآمال والتوقعات من الدولة الحالية فإن الرهان الوطني اليوم هو عليها، ولا خيار آخر بديلاً منها.

لم يعرف "الحزب"، وحتى الآن لا يريد أن يعرف، أنه أخطأ عندما اختزل الدولة بمكوّن اجتماعي واحد، وعندما احتجزها رهينة في قفص المشروع الإيراني، ويستمر في محاولة إبقائها فيه. إذ يوقّت أمينه العام إطلالاته البائسة لتنافس قرارات الحكومة وتتحدّى أسس العيش المشترك، حتى لو كانت تلك القرارات مصوغة ببعد نظر وبما يقتضي مراعاة المصلحة اللبنانية الخالصة. 

بعد قول الرئيس جوزف عون "لم نعد قادرين على تحمل نزاعات أي كان، ولا أعباء أي كان... ونصرّ على السلام المطلق، ونرفض أيّ شروط له إلا الحق والخير"، جاء نعيم قاسم متسائلا: "لماذا لا تدافعون؟ لماذا لا تنتقدون العدوان؟ لماذا لا تقفون بصلابةٍ مع الذين يقاومون؟" كأنه، حيث هو، لم يبلغه ما حصل للمقاومة بالمقاومة، وبالوحشية الإسرائيلية وحتى الدولية، وأيّ جناية ارتكبتها في حق الناس في لبنان وغزّة والضفة الغربية، بل في حق "المقاومة" نفسها كقيمة ومفهوم وتضحيات إنسانية. وفيما يواصل "الحزب" تحميل الدولة مسؤولية ما ارتكبه، ها هو يكمل بتكرار مقولة إن "تنازلات الدولة تشجّع إسرائيل على الطمع والتصعيد".

كان في إمكان "الحزب"، منعاً لـ"التنازلات"، أن يبادر إلى وضع نفسه وسلاحه في تصرّف الدولة دعماً لموقفها التفاوضي. لم يفعل، بل أراد استدراج مساومات مع أطراف خارجية على موقعه في الدولة. هذه الورقة لم تعد ذات قيمة.

لماذا يبدي "الثنائي الشيعي" إصراراً على إجراء الانتخابات في موعدها؟ لأنه لا يزال قادراً على ترهيب الناخبين وتهديد المعارضين له والتحكّم في العملية الانتخابية لمواصلة احتكار تمثيل طائفته، على رغم "تجريد" الجنوب من السلاح. هذه فرصته لإثبات أن "حصر السلاح" جنوباً لا يغيّر المعادلة السياسية، ولتسويق "الاقتراع" المضمون لمرشّحيه باعتباره تجديداً شعبياً لـ"شرعية" سلاحه. 

آخر المفارقات التي ابتدعها الأمين العام لـ"حزب إيران" أنه استغلّ شريطه الأخير لـ"نجدّد التعزية في ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري لعائلته الكريمة، وتياره السياسي، وكل أنصاره ومحبّيه، وكل اللبنانيين"... أيّاً تكن الاعتبارات التي سوّغت هذا الواجب الاجتماعي، فإن الشيخ قاسم لا يجهل أن من توجّه إليهم يعتبرونه ممثلاً للقاتل، والأهم أن الذكرى الـ 21 ظهّرت سبب اغتيال الحريري: لأن "الحريرية" كانت نقيض "إيرانية الحزب".