المصدر: نداء الوطن
الاثنين 24 آب 2026 06:59:27
قبل 44 عامًا، انتُخب بشير الجميّل رئيسًا للجمهورية، فتحوّل حلمه، الذي اغتيل قبل أن تُتاح له فرصة تحقيقه، إلى نهج ومعيار يفصلان بين لبنان الدولة ولبنان الساحة أو المزرعة. وبعد عقود من مصادرة قرارها تحت وطأة "ممانعات" تعاقبت وتبدّلت أسماؤها وقادتها، تسلك الجمهورية اليوم خطّ "البشير" لناحية تحديد سياساتها وخياراتها، في سعيها إلى احتكار قرار الحرب والسلم، وتولّيها بنفسها التفاوض باسم لبنان وحقوقه. لكن هذا الدرب لا يخلو من الصعوبات والتحديات الكبيرة، ويقتضي أن تثبّت أقدامها في مسار التفاوض وبسط سيادتها من الجنوب إلى كل لبنان، لقطع الطريق أمام قاتلي الأوطان والحياة.
ومن هذه الزاوية، لفت مصدر رسمي لـ"نداء الوطن" إلى وجود خشية داخل دوائر الدولة اللبنانية من تأخّر مفاوضات روما، فحتى الساعة لم يُحدَّد موعد لجلسة جديدة، ما يثير مخاوف من نية إسرائيل استكمال حربها، خصوصًا أنها الطرف الأقوى، وسط تقهقر قوة محور إيران من الضاحية إلى طهران. وأوضح المصدر أن واشنطن قد تحدد أي موعد في أي لحظة، لكن هذا كله مرتبط بالتطورات السياسية وما تريده أميركا وتل أبيب. وكشف المصدر أن لجنة التدقيق لم تحرز أي تقدّم حتى الآن، خصوصًا أن هذا الملف مرتبط أيضًا بالقرار الأميركي، ما يُبقي الأمور في دائرة المراوحة.
وفيما تحاول الدولة تثبيت حقها الحصري في التفاوض باسم لبنان، وسط تعقيدات المسار، يظهر في المقابل تناقض لافت في خطاب "حزب الله"، فأشار مصدر سياسي عبر "نداء الوطن" إلى أن كلام عضو المجلس السياسي في "الحزب"، محمود قماطي، بأن "حزب الله" لم يغلق الباب بصورة نهائية أمام التواصل المباشر مع الأميركيين، وأن القرار يُتخذ وفق المصلحة والظروف المناسبة، يدل على انفصام واضح وضياع لدى قيادته.
واعتبر المصدر أن كلام قماطي يحمل تناقضات واضحة، فـ"الحزب" الذي يعيب على الدولة التفاوض لمنع الحرب، يعرب في الوقت نفسه عن نيته التفاوض مع من يسمّيه "الشيطان الأكبر"، ضاربًا عرض الحائط بكل الشعارات التي أطلقها سابقًا. ورأى أن كلام قماطي لا يتعدّى إطار التهويل على الدولة اللبنانية، في محاولة للقول إن "الحزب" هو من يملك الأرض وقرار التفاوض، وإن لا وجود للدولة، وإن اتفاق الإطار قد سقط. وكلها أوهام يعيشها بعد الضربات التي تلقّاها في حروبه الانتحارية.
وفي موازاة هذا التخبط الداخلي، يأتي الضغط الأميركي ليضيف مستوى آخر من الحصار السياسي والمالي على "الحزب"، بعدما أصبح ملفه جزءًا من معركة أوسع تتصل بسيادة لبنان ومستقبل دولته وقدرتها على استعادة قرارها. ويبقى التحدي أمام لبنان وفق مصدر دبلوماسي، أن يحوّل هذه الضغوط الخارجية إلى حافز لاستكمال بناء الدولة، لا إلى عامل إضافي في تعميق أزماته، وأن يجعل من استعادة المؤسسات لفاعليتها وسيادتها مدخلا أساسيًا إلى الاستقرار والتعافي.
"حصون الحزب"
ويتزامن هذا التشديد السياسي والمالي، مع تصعيد ميداني إسرائيلي في الجنوب، إذ كشفت صحيفة "جيروزاليم بوست"، أمس، أن الجيش الإسرائيلي بدأ تسريع وتيرة تدمير البنية التحتية العسكرية لـ"حزب الله"، تنفيذًا لتوجيهات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، مشيرة إلى أن جزءًا من هذه البنية شُيّد على هيئة "حصون عسكرية". في المقابل، زعم مسؤولون أمنيون إسرائيليون أن الجيش اللبناني لم يحقق حتى الآن النتائج المطلوبة في تفكيك البنية التحتية لـ"حزب الله"، وفق التفاهمات التي جرى التوصل إليها بوساطة أمريكية. وادعى المسؤولون أن الجيش اللبناني يخشى مواجهة "حزب الله"، ولذلك لا يتحرك بالسرعة الكافية لتحديد مواقع البنية التحتية العسكرية وتدميرها.
وعسكريًا، تتجه القراءة الميدانية والأمنية نحو البقاع، ولا سيما بعد سقوط علي الطاهر، وما قد يليه من تطورات في جبل الريحان. ويؤكد مصدر أمني لـ"نداء الوطن" أن طبيعة أي معركة في البقاع تكون، من الناحية الجغرافية، أسهل بالنسبة إلى الإسرائيليين منها في الجنوب، حيث السهل واسع، والمساحات مكشوفة، ومجال الرؤية أوسع. أما في الجنوب، فتشكّل التضاريس والتلال والأودية عناصر حماية للمقاتلين، وتمنح طبيعة الأرض المواقع الدفاعية قدرة أكبر على الصمود.
الراعي: القرار للدولة وحدها
وفي الديمان، حيث ترأس البطريرك مار بشارة بطرس الراعي قداس الأحد، فقال في عظته: "نتطلع إلى أن تُثمر المفاوضات الجارية حلًا ثابتًا يحفظ لبنان وحقوقه، ويؤدي إلى وقف الاعتداءات والانسحاب من أرضه واستعادة كامل سيادته". وشدّد الراعي على أن "الدولة وحدها يجب أن تكون صاحبة السيادة والقرار على كامل أراضيها، وأن يكون الجيش والمؤسسات الشرعية ضمانة لوحدة الوطن وأمنه واستقراره. فالوطن لا يقوم بقرارين، والدولة لا تستقيم بسلطات متوازية، والسيادة لا تتجزأ. فالسيادة تعني بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وأن يكون القرار بيد المؤسسات الشرعية وحدها".