الحزب يماطل وإسرائيل تضغط.. هدنة لبنان على "حافة النار"

تشهد الساحة اللبنانية مرحلة شديدة التعقيد تتقاطع فيها الهدنة الهشة مع استمرار تأثيرات إقليمية عميقة، في ظل اتهامات متزايدة لإيران بمحاولة توظيف أذرعها في المنطقة، وفي مقدمتها حزب الله، كأدوات نفوذ في إدارة الصراع مع إسرائيل. 

يأتي ذلك في وقت تتصاعد فيه المخاوف من أن يؤدي هذا التموضع إلى جر لبنان مجدداً إلى دوائر التصعيد العسكري، خارج قرار الدولة ومؤسساتها الرسمية.

وأشار الرئيس اللبناني جوزاف عون في هذا السياق إلى رفض تحويل لبنان إلى ساحة لحروب الآخرين، مؤكداً أن الدولة تسعى لإنهاء حالة الحرب وترسيخ منطق السيادة.

وبينما تسعى واشنطن إلى تثبيت وقف إطلاق النار وفتح مسار تفاوضي أوسع يعيد ضبط الحدود الجنوبية للبنان ويعزز دور الدولة اللبنانية كطرف رسمي في أي ترتيبات مستقبلية، تتحرك إسرائيل وفق مقاربة أمنية تعتبر أن التهدئة الحالية لا تزال غير مستقرة، وأن استمرار العمليات العسكرية من قبل حزب الله خارج إطار الدولة اللبنانية يمنحها مبرراً لتوسيع نطاق الرد العسكري وإعادة تعريف قواعد الاشتباك.

ويرى أستاذ العلوم السياسية أمين المشاقبة أن إسرائيل ستواصل التصعيد العسكري في جنوبي لبنان، مع استمرار استهداف مناطق وبلدات يقدر عددها بنحو خمسين قرية، تعرضت لعمليات تدمير ممنهج على نحو يشبه في بعض جوانبه ما جرى في غزة.

معادلة تفاوض تحت النار
ويشير المشاقبة في حديث لـ "إرم نيوز" إلى أن إسرائيل تسعى إلى فرض معادلة تفاوض تحت النار، بحيث تصبح أي مفاوضات مع لبنان مرتبطة باستمرار العمليات العسكرية وليس العكس؛ ما يعني عملياً إعادة صياغة شروط التفاوض من الميدان.

ويضيف المشاقبة أن إسرائيل تعمل أيضاً على فصل ملف حزب الله عن الملف الإيراني، وقد نجحت في تعزيز هذا التوجه بدعم أميركي واضح يمنحها هامشاً واسعاً للتحرك العسكري، تحت عنوان حق الدفاع عن النفس.

ويتابع المشاقبة: ما يجري في جنوبي لبنان يعكس نموذجاً مشابهاً لمراحل الحرب في غزة، من حيث الضغط الميداني المكثف وتوسيع بنك الأهداف، حيث تتركز العمليات الإسرائيلية، لما يُعرف بمنطقة الخط الأصفر بعمق يتراوح بين 8 و10 كيلومترات داخل الجنوب اللبناني، إلى جانب عمليات تدمير واسعة للمنازل والبلدات.

وفي البعد السياسي، يرى المشاقبة أن استمرار التصعيد يشكل أداة ضغط مباشرة على الحكومة اللبنانية، ويضعها أمام اختبار صعب داخلياً وخارجياً، كما يطرح احتمال توظيف هذا التصعيد في الحسابات السياسية الداخلية الإسرائيلية، حيث يسعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تعزيز موقعه الانتخابي عبر إظهار الحزم الأمني وتحقيق إنجازات ميدانية.

ويمتد التصعيد من الجنوب إلى مناطق في البقاع بذريعة وجود مواقع تابعة لحزب الله؛ ما يعكس توسعاً جغرافياً في نطاق العمليات.

ويضيف المشاقبة أن الضغوط الداخلية في إسرائيل، خصوصاً تراجع الأمن في مستوطنات شمالي فلسطين وتعطل الحياة اليومية فيها، قد تدفع نحو مزيد من العمليات العسكرية، بما يعمق دائرة التصعيد.

جبهات التفاوض والحرب
من جهته، يقدم أستاذ علم الاجتماع السياسي بدر الماضي قراءة تركز على البنية الإقليمية للصراع، حيث يرى أن إيران حاولت العمل على توحيد جبهة التفاوض وجبهة الحرب بين لبنان وإيران، وربط مصير حزب الله بمآلات المواجهة مع طهران.


ويشير الماضي لـ "إرم نيوز" إلى أن حزب الله بدوره يسعى إلى الحفاظ على هذا الارتباط الوثيق مع إيران؛ لأن العودة الكاملة إلى الدولة اللبنانية ضمن الحسابات الداخلية قد لا تخدم مشروعه السياسي القائم على النفوذ داخل الدولة، إضافة إلى ارتباطه بالدعم الإيراني.

ويعتبر الماضي أن الحزب غالباً ما لجأ إلى إطالة أمد المفاوضات وغياب الحلول الواضحة، خصوصاً في ملف الجنوب اللبناني، وأنه في ظل هذا التعقيد، لا تبدو الهدنة مرشحة للاستمرار، خاصة في ظل قناعة بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لن يسمح بتثبيت تهدئة طويلة الأمد من دون تغيير جوهري في ميزان القوة.

ويضيف أن إسرائيل دخلت عملياً في حرب أدت إلى توسيع نفوذها في جنوبي لبنان، ووصلت تداعياتها إلى قرى في منطقة جنوب الليطاني، مع اعتبارها أن البيئة الدولية تتعامل مع حزب الله كدولة داخل الدولة؛ ما يعزز التوجه نحو إعادة ضبط التوازن العسكري داخل لبنان.

وبحسب الماضي، فإن إسرائيل تسعى إلى تحقيق هدفين أساسيين، الأول عزل الساحة اللبنانية عن السياسات الإيرانية عبر فصل الجبهات، والثاني التأثير على سلوك حزب الله من خلال استهداف قدراته العسكرية وإضعاف بنيته، إلى جانب العمل على إنتاج بيئة داخلية لبنانية أقل تقبلاً له.

في موازاة ذلك، تشير معطيات ميدانية وسياسية إلى أن الجبهة اللبنانية الإسرائيلية دخلت مرحلة إدارة التصعيد المحدود، حيث تتداخل العمليات العسكرية مع رسائل سياسية موجهة إلى واشنطن، التي تحاول بدورها إبقاء وقف إطلاق النار ضمن سقف يمكن التحكم به.

ووفق هذا المنطق، يمنح استمرار العمليات خارج إطار الدولة اللبنانية إسرائيل ذريعة لتوسيع نطاق الضربات وإعادة تعريف قواعد الاشتباك.

وتكشف تطورات المشهد أن الهدنة الحالية، رغم رعايتها الدولية، لا تزال محاطة بهشاشة واضحة، في ظل غياب اتفاق سياسي شامل، وتباين عميق في تفسير دور حزب الله داخل الدولة اللبنانية، وحدود العلاقة بين بيروت وطهران، إضافة إلى التداخل بين الحسابات الإقليمية والتطورات الداخلية في كل من لبنان وإسرائيل.

وبينما تراهن واشنطن على تحويل وقف إطلاق النار إلى مدخل لمسار تفاوضي أوسع يشمل ترسيم الحدود وتعزيز دور الدولة اللبنانية، تبقى إسرائيل متمسكة بمنطق الضغط العسكري التدريجي، في حين يواصل حزب الله ربط موقعه بالمعادلة الإقليمية مع إيران؛ ما يجعل الهدنة أقرب إلى إطار مؤقت أكثر منها إلى تسوية مستقرة.