الخروقات مدخل للتفاوض...لبنان يريد صيغة مكتوبة ويدعّم مطالبه بصور حديثة

تدخل بيروت جولة مفاوضات واشنطن المقررة بعد أقل من 3 أيام وهي تحمل ملفًا أمنيًا أكثر من كونه سياسيًا، فيما تدخل تل أبيب الجولة نفسها وهي تحاول تثبيت مكاسب ميدانية داخل ورقة تفاوض أمريكية تتقدم بسرعة، قبل انتهاء تمديد وقف النار في الـ17 من الشهر الجاري. 

وقد أعلنت الخارجية الأمريكية الجولة الثالثة بعد اجتماعي 14 و23 أبريل نيسان في واشنطن، وطرحتها ضمن مسار يعمل على اتفاق سلام وأمن دائمين، بينما تحصر بيروت مقاربتها في وقف النار، والانسحاب الإسرائيلي، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار، وترتيبات الحدود.

وتأخذ الجولة الثالثة طابعًا أكثر اتصالًا بالميدان؛ إذ تؤكد معطيات لبنانية خاصة أن لجنة الميكانيزم ستحضر الاجتماع المرتقب عبر سجل الخروقات وتفاصيل الحركة العسكرية ومواقع الاحتكاك في الجنوب.

ويندرج حضور الملحق العسكري اللبناني في واشنطن ضمن الحاجة إلى نقل المحادثات إلى صيغة تقنية قابلة للمتابعة، خصوصًا أن الاجتماع يأتي قبل موعد تمديد وقف النار، وبعد أيام من الضربة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية واستمرار العمليات في الجنوب.

وهذا يربط أي بحث في واشنطن بوقف الضربات، وتثبيت الانسحاب، وتحديد شروط انتشار الجيش اللبناني في المناطق الحدودية.

الخروقات كمدخل للتفاوض
وتقول مصادر سياسية لبنانية لـ"إرم نيوز" إن الوفد اللبناني تلقى توجيهات تضع وقف العمليات الإسرائيلية في صدارة الجلسة المقبلة.

وقد اكتسب هذا البند وزنًا إضافيًا بعد لقاء الرئيس جوزيف عون مع السفير الأمريكي ميشال عيسى في بعبدا اليوم، حيث طلب عون ضغطًا أمريكيًا مباشرًا على إسرائيل لوقف إطلاق النار والعمليات العسكرية ونسف المنازل وتجريفها.

ويعني ذلك أن بيروت ستدخل واشنطن وهي تحمل موقفًا رئاسيًا حديثًا يربط أي متابعة تفاوضية بوقف الوقائع الميدانية التي تسبق أي صيغة أمنية جديدة وتفرض نتائجها على الأرض.

وتضيف المصادر أن لبنان سيطلب من الأمريكيين صيغة مكتوبة تضع كل خرق في مسار واضح منذ لحظة تسجيله حتى لحظة البت به، على أن تشمل قناة مباشرة بين الوفد اللبناني وفريق الوساطة والجيش ولجنة الميكانيزم، مع مهلة محددة للرد على الشكاوى المرتبطة بالغارات والهدم والتجريف.

كما ستدعم بيروت هذا الطلب بأمثلة حديثة من يارون، حيث أثار تجريف مبان مدنية ودينية اعتراضًا كنسيًا وسياسيًا، ومن النبطية وسكسكية وبرج رحال وميفدون، حيث جاءت الضربات الأخيرة قبل أيام من الجولة.

يضاف إلى ذلك أرقام المجلس الوطني للبحوث العلمية حول تدمير 428 وحدة سكنية خلال ثلاثة أيام في الجنوب. وهي معطيات تمنح الوفد اللبناني أساسًا ماديًا للمطالبة بربط التمديد المقبل بآلية قرار واضحة تربط كل خرق بإجراء أمريكي محدد ضمن مهلة معلنة.

استعادة القرار في الجنوب
وقال الباحث السياسي اللبناني محمود علوش لـ"إرم نيوز" إن المعضلة اللبنانية تكمن في أن الدولة تتحرك داخل هامش ضيق بين ضغط الميدان وحاجتها إلى استعادة وظيفة القرار الرسمي في الجنوب.

وأوضح أن استمرار الضربات والهدم والنزوح يضع أي مسار تفاوضي أمام امتحان عملي يرتبط بقدرة بيروت على انتزاع ترتيبات تمس حياة السكان مباشرة، من وقف الاستهدافات إلى فتح طرق العودة وتثبيت حضور الجيش في القرى المتضررة. 

وأضاف علوش أن أي ترتيب أمني قابل للاستمرار يحتاج إلى تحويل الجيش اللبناني إلى مرجعية فعلية على الأرض، مع توفير شروط الحركة والتمويل والتجهيز والغطاء السياسي الداخلي.

وأكد أن حضور الدولة في الجنوب يحتاج إلى أدوات تنفيذية واضحة، كما يحتاج إلى ربط ملف الحدود بالإعمار وعودة السكان كي يصبح الأمن جزءًا من استعادة الحياة الطبيعية في المناطق الحدودية.

وتوضح المصادر أن الوفد اللبناني سيعرض دور الجيش داخل خريطة الجنوب؛ إذ ستطرح بيروت حاجة الجيش إلى ممرات حركة آمنة نحو القرى المتضررة، خصوصًا في الحافة الممتدة من يارون ومارون الراس وبنت جبيل إلى الخيام وكفركلا وحولا، وإلى نقاط تسلّم واضحة بعد أي انسحاب إسرائيلي.

كما سيطرح الوفد حاجات مرتبطة بآليات هندسية ووسائل مراقبة واتصالات وفرق كشف ذخائر غير منفجرة؛ لأن عودة الوحدات إلى القرى المهدمة تحتاج إلى فتح طرق وتأمين مواقع وتثبيت حضور رسمي في مناطق تضررت فيها البنية المدنية والزراعية.

ضبط سقف المحادثات الأمنية
وتربط المصادر هذه المقاربة بالضغط الأمريكي السابق لعقد لقاء بين الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؛ إذ ترى أن بيروت أبقت اللقاء خارج جدول المواعيد الحالية، ودفعت واشنطن باتجاه تكثيف عمل الوفود والملفات التقنية.

ويسعى نتنياهو داخل هذه الصيغة إلى إدخال مطالب أمنية محددة إلى الطاولة، وفي مقدمها وضع "حزب الله" جنوب الليطاني، وضمانات الحدود، وصلاحية الرد الإسرائيلي عند أي تهديد تعتبره تل أبيب مباشرًا.

وتقول المصادر إن الوفد اللبناني سيحاول نقل المحادثات من المطالب الإسرائيلية إلى الوقائع التي تستطيع الدولة تثبيتها على الأرض، وفي مقدمها وقف الضربات وأعمال الهدم، والانسحاب من النقاط التي تتمسك بها بيروت، وتهيئة شروط عودة السكان إلى القرى الحدودية. 

ووفق رؤية بيروت، يأتي البحث في قواعد الانتشار والمراقبة بعد تحقيق تقدم ملموس في هذه الملفات؛ إذ تحتاج الرئاسة والحكومة إلى نتيجة ميدانية واضحة قبل أي مداولة داخلية حساسة حول السلاح والترتيبات الطويلة الأمد في الجنوب.

وتلفت المصادر إلى أن الأمريكيين يريدون إبقاء التفاوض قائمًا عبر لقاءات متابعة بعد الـ15 من مايو أيار، وستربط بيروت موافقتها بضمانات عملانية حول الخروقات والانسحاب، خصوصًا أن بيان الخارجية الأمريكية تحدث عن ترسيم الحدود ومسارات إعادة الإعمار.

هذه الملفات تحتاج إلى تهدئة ثابتة كي تتحول إلى مدخل لعودة السكان وترميم القرى المتضررة وإعادة حضور الدولة إلى الجنوب.