المصدر: نداء الوطن
الكاتب: نخلة عضيمي
الاثنين 26 كانون الثاني 2026 07:04:47
يعود اسم الدوحة مجددًا إلى التداول في المشهد اللبناني، لكن هذه المرة من بوابة مختلفة: مبادرة قطرية شاملة لإعادة الإعمار تطال الوحدات السكنية المدمرة والبنى التحتية الحيوية، وتستكمل بمؤتمر سياسي يشبه في روحيته لا في ظروفه مؤتمر الدوحة الشهير، إنما بشروط أكثر تعقيدًا وتشابكًا إقليميًا ودوليًا.
المبادرة، وفق المعطيات الخاصة بـ "نداء الوطن"، لا تقف عند حدود الدعم المالي أو الإغاثي، بل تدرج الإعمار في سلة واحدة مع الإصلاحات السياسية والأمنية، وفي مقدمها حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وتطبيق القرارات الدولية ولا سيما القرارين 1701 و1559، واتفاق وقف الأعمال العدائية الموقع في 27 تشرين الثاني 2024، على أن يفتح لاحقًا مسار تفاوضي لبناني - إسرائيلي، تحت مظلة أميركية.
هذه المقاربة تعكس تحولًا نوعيًا في نظرة المجتمع الدولي إلى لبنان: لا إعمار بلا تسوية، ولا أموال بلا التزامات. وهو تحوُّل يضع القوى السياسية، ولا سيما الفاعلة عسكريًا، أمام اختبار وجودي يتجاوز التكتيك إلى الخيارات الاستراتيجية.
"الثنائي الشيعي"... والذاكرة الشيعية السياسية
في هذا السياق، يبرز النقاش داخل "الثنائي الشيعي" كأحد أكثر العناوين حساسية. فالمداولات، وإن جرت بعيدًا من جمهور الفريقين، تظهر تباعدًا واضحًا في المقاربة بين جناحي "الثنائي".
"حزب الله" لا يزال متمسكًا بسلاحه بوصفه أداة وظيفية تتجاوز الداخل اللبناني إلى الإقليم، وترتبط بمعادلات الردع والصراع المفتوح، وهو ينظر إلى أي بحث في الحصر أو التنظيم خارج هذا الإطار كتهديد مباشر لدوره ولموقعه. حتى إنه مستعد لمواجهة داخلية إن اقتضى الأمر ذلك.
في المقابل، لا يتوافق الرئيس نبيه بري مع مواقف "الحزب" التصعيدية وهو يتعامل بحذر مع الطروحات الدولية، انطلاقًا من واقعية سياسية تدرك حجم الانهيار، واستحالة عودة الدولة من دون تسويات مؤلمة.
إلا أن هذا الحذر لا ينفصل عن تطورين محتملين:
الأول انفراط عقد "الثنائي"، في ظل اختلاق "حزب الله" عبر أبواقه الإعلامية مجموعة من الأضاليل لتوجيه السهام إلى الرئيس بري الذي وعبر بيان لافت رد فيه على ما يروجه هذا الإعلام من أضاليل وكذب. وهذا يؤكد انزعاج بري من الجو الذي يثيره إعلام الممانعة وهدفه التشكيك بمواقفه، لأنه يتخذ مواقف متمايزة عن "الحزب" في ما خص حصر السلاح والرئيس جوزاف عون.
أما التطور الثاني فهو أن يتحوّل أي تباين إلى اصطفاف سياسي - شعبي داخل البيئة الواحدة، مع خشية أعمق تتمثل بتدخل "حزب الله" في الشؤون الداخلية لحركة "أمل"، بما قد يعيد إلى الذاكرة تجارب الانشقاق التاريخية.
فالذاكرة الشيعية السياسية لا تزال تحتفظ بمحطات دقيقة، أبرزها تجربة حركة "أمل" الإسلامية التي قادها حسين الموسوي (أبو هشام)، والمقاومة المؤمنة التي انشقت عن الحركة في ثمانينات القرن الماضي، حين تداخل العامل العقائدي بالسلاح وبالصراع على التمثيل والدور. أي خلل اليوم في توازن العلاقة بين "الحزب" و "الحركة" قد يفتح الباب أمام استيلاد ظواهر مشابهة، في زمن أشد هشاشة وأكثر قابلية للاهتزاز.
أمام هذه المعادلات، تتكاثر التساؤلات المشروعة:
• هل يستطيع لبنان الإفادة من نافذة الإعمار من دون الوقوع في فخ الشروط السياسية الثقيلة؟
• هل يملك "الثنائي الشيعي" القدرة على إدارة خلافاته من دون تفجير الداخل؟
• ما هو مستقبل دور السلاح في ظل تحول الأولويات الإقليمية وتراجع منسوب التسامح الدولي؟
• وهل نحن أمام إعادة صياغة للدور الشيعي في الدولة، أم أمام محاولة تأجيل الانفجار فقط؟
لبنان يقف اليوم عند مفترق تاريخي مرتبط بالقرار الشيعي الأخير:
إما تسوية شاملة تعيد بناء الدولة وانخراط شيعي وازن يقوده الرئيس بري في مرحلة بناء لبنان الجديد فتحفظ الطائفة دورها التاريخي في النسيج اللبناني، وإما الاستنزاف في الدفاع عن معادلة لم تعد قابلة للحياة والتضحية بالدور الشيعي الوازن في إطار إعادة تكوين الدولة على مذبح نظام الملالي المتهاوي.
وفي الحالتين، لم يعد السؤال عن الإعمار وحده، بل عن أي لبنان يعاد بناؤه، ولصالح أي مشروع، وعلى حساب أي مستقبل.