الدولة تطلّ من الجنوب... في الطريق إلى فلوريدا!

تَمْضي الدولةُ اللبنانية في ترسيم «الحدود» الجديدة مع «حزب الله» وإزالة «السواتر» في العلاقة بينها وبين بيئة الجنوب على قاعدة بناء ثقةٍ وجدرانِ حمايةٍ، سياسية – دبلوماسية – إنمائية، تُوقف الانزلاقَ في المنحدر الأخطر الذي زجّ البلاد برمّتها في حربيْن منذ 2023 وليس ثابتاً أن الثالثة ليست... على الطريق.

ففي الوقت الذي يرَسِّخُ لبنان قرارَ حَصْرِ السلاح بيد الشرعية على كل أراضيه، وإن كان التطبيقُ يمثّل اختباراً دقيقاً تَدخل في حسابات تسهيله كما عرْقلته عوامل مُعاكِسة بفعل إبقاء طهران هذا الملف أسيرَ مقتضيات جبهتها - لاعتبارات عسكرية في المرحلة الحالية وأخرى سياسية لِما بعد الحرب - فإنّ زيارة رئيس الحكومة نواف سلام يوم الجمعة لمدينة النبطية شكّلتْ ما يُشبه «إنزالاً» للدولة اللبنانية خَلْفَ خطوطٍ بدا جلياً أنها بدأتْ تتلاشى على صعيدِ تَبَدُّلِ صورتها في عيون بيئةٍ لم يتوانَ قسم منها عن التعبير بالصوتِ العالي عن رهانهم عليها لنقْلهم مِن تحت الركام الى التعافي، تحت عنوان «كفى».

ففي عاصمة جبل عامل، التي «حمتْها» الدولةُ بعد سيطرةِ تل أبيب على تلة علي الطاهر (قبل تفجير أنفاقها) من نياتٍ للتوغل في اتجاهها بعدما وَضَعها الجيشُ الإسرائيلي في دائرة «اهتمامه العسكري» كما نيرانه، وذلك عَبْر نشر الجيش اللبناني فيها، ارتسمتْ مع زيارة سلام لها إشاراتٌ تشكل امتداداً لمحطةِ رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون فيها يوم توجّه إليها في 12 أيلول، مُكَرِّساً دور الشرعية و«وهْج» حضورها في المدينة كعاملِ ردْعٍ لإسرائيل مُعَزَّزٍ بمعادلةٍ عربية ودولية داعمة لاستعادة الدولة سيادتها على كامل أراضيها ولمسار حَصْرِ السلاح.

وفي المدينة التي تَبْعد بين 3 و 4 كيلومترات (خط نار) عن تلة علي الطاهر، كان المزاجُ العام الذي رافَقَ جولةَ سلام مؤيداً بقوةٍ للدولة لوقف أي انزلاقٍ نحو حربٍ جديدة ولضخّ مقوّماتِ الحياة في شرايينها لتثبيتِ أهْلها فيها، وسط مفارقةٍ شكّلتْها الأيادي الممدودة إلى سلام من مواطنين وكأنّهم يتمسّكون بـ«طوق نجاةٍ» من طوفانٍ وراء طوفان.

ورغم محاولاتِ اللعب على وتر أن مَظاهر الاحتفاء بسلام - وتالياً الدولة - في مدينة النبطية تحت شعار «نحن معَك»، مردّها إلى حضورٍ وازن لمناصري حركة «أمل» (بزعامة رئيس البرلمان نبيه بري) ولِمعارضين لحزب الله، فإنّ تَظهيرَ هذا الاحتضان، بعد غيابِ أي حركةِ اعتراضٍ حتى على زيارة السفير الأميركي ميشال عيسى قبل نحو 20 يوماً لزوطر الغربية (إحدى البلدات المشمولة بالمنطقة التجريبية الأولى)، اعتُبر في سياقِ بدايةِ تَحَوُّلٍ يمكن قياسه داخل بيئةٍ باتت تتطلّع الى الشرعية كـ «قاربِ إنقاذ»، خصوصاً بعدما كان بري نعى واقعياً أي قدرة لحزب الله على ردْع إسرائيل حين أعلن (بعد أيام من سقوط علي الطاهر) أن تل أبيب «إذا أرادتْ أن تحتلّ (أكثر)، فإنها قادرة على ذلك».

وقد حرص سلام من النبطية، التي سبق أن زارها مرتين، على تأكيد أن «الضمانة الحقيقية أمامنا هي أن نَمْضي، في آن واحد، في حشد ما استطعنا من إمكانات ودعم لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل ولإعادة بناء دولة قادرة وفاعلة، دولة واحدة لكل أبنائها، جيشها واحد، وقرارها واحد، لا سيّما قرار الحرب والسلم. فهذه هي الطريق كي لا نجد أنفسنا مرة أخرى أمام حرب جديدة، أو ذرائع جديدة للاعتداء على لبنان، أو توسّع جديد للاحتلال»، مضيفاً: «أما أن نقول إن بإمكاننا انتظار تسوية إقليمية كبرى، فهذا بالنسبة لي ليس خياراً للبنان. لأن هذه التسوية قد تأتي أو لا تأتي، أو قد تتأخر سنوات، وإذا حصلت، فقد تكون على حسابنا. وماذا لو اندلعت حرب جديدة في المنطقة؟ هل نقبل بأن يدفع لبنان والجنوب ثمنها مرة أخرى؟ وهل نبقى منتظرين؟».

ولم تمرّ زيارة سلام من دون ترجمةٍ لقرار عودة الدولة إنمائياً أيضاً الى المنطقة، حيث كشف أن مجلس الإنماء والإعمار أطلق 23 مناقصة في قضاء النبطية لمشاريع تتصل بترميم الطرق، وإعادة تأهيل مراكز الإيواء، وتأمين سيارات إسعاف وأجهزة طبية وأجهزة اتصالات لاسلكية وعبر الأقمار الاصطناعية.

وما جعل زيارة رئيس الحكومة للنبطية تكتسب أيضاً أبعاداً شديدة الأهمية أنها جاءت بعد يومين من انتهاء زيارته لنيويورك ثم واشنطن ولقاءاته البالغة الأهمية، دبلوماسياً واقتصادياً ومالياً، والتي لمس فيها جاهزية لدعم لبنان من ضمن مسارٍ متوازٍ يتعيّن على الدولة المضيّ في تفعيله على خطيّ الإصلاحات واستعادة السيادة – حصر السلاح.

وإذ وَضَعَ سلام الرئيس عون عصر الجمعة في أجواء جولته في النبطية وحصيلة لقاءات البارزة في الولايات المتحدة «والمحادثات الإيجابية التي أجراها مع عدد من المسؤولين الأميركيين والدوليين، والتي تناولت الأوضاع في لبنان والمنطقة»، فإن مصادر حكومية حرصتْ على بلْورةٍ أوسع لمضامين محطته في العاصمة الأميركية كما لطَلائع ترجماتٍ لها على صعيدِ تفعيل الآليات التنفيذية لـ «الاتفاق الإطار» الثلاثي (الموقّع بين بيروت وتل أبيب وواشنطن) والمتمثّلة في لجنةِ التحقُّق من الانسحابِ الإسرائيلي داخِل المناطق التجريبية وانتشار الجيش اللبناني فيها وتفكيكِ أي بنية عسكرية لحزب الله ومنْعه من العودة إليها. علماً أن هذه اللجنة باتت تتشابك مع استحقاقِ ما بعد نهاية ولاية قوة «اليونيفيل» في الجنوب آخِر السنة، كما مع إشاراتٍ إسرائيلية بربط أي توسيع لـ«التجريبية» بإطلاق الدولة اللبنانية مسار سحْب السلاح شمال الليطاني.

فقد تحدّثت هذه المصادر لوسائل إعلام لبنانية عن أن سلام اعتبر أمام وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو «أن الحلّ في مسار تنفيذ صيغة الإطار هو وضْع جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي بالتزامن مع بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وفي وضْع نظام تحقق صلْب لوقف تبادل الاتهامات بين لبنان وإسرائيل، وأنه يجب تطبيق التحقق على الجانبين»، لافتة إلى أن روبيو أوعز إلى فريقه بالمباشرة على الفور ببت التفاصيل العالقة بآلية التحقّق والجهة التي ستتولاها، لأنها تشكل جوهر حلّ قضية السلاح والانسحاب.

كما أفادت المصادر أن سلام طالب في واشنطن ونيويورك بأن تكون قوة ما بعد اليونيفيل أممية وتستند إلى قرار جديد لمجلس الأمن بناء على مرجعية الـ 1701 ومكمّل لصيغة الإطار، مشيرةً إلى أن الجانب الأميركي أبدى تفهُّماً لهذا الطرح.

وليس بعيداً عن هذه العناوين، استوقف أوساطاً سياسية الاتصال الذي جرى بين العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني وروبيو والذي أعلنتْ الخارجية الأميركية أنه تم خلاله البحث في «العديد من القضايا الإقليمية، بما فيها الجهود المتعلقة بتنفيذ الاتفاق الإطاري الثلاثي، ونزع سلاح حزب الله، وسبل دعم الاستقرار في سوريا».

وفيما أعلن الديوان الملكي الأردني أن الملك عبدالله الثاني أشار – في ما خص ملف لبنان - خلال الاتصال إلى «مخرجات جولة مبادرة«اجتماعات العقبة»التي عقدت أخيراً في فرنسا لحشد الدعم الدولي للجيش اللبناني وتمكينه من القيام بمسؤولياته تجاه الحفاظ على أمن لبنان واستقراره»، فإن أوساطاً متابعة توقّفت عند هذا الاتصال توقيتاً ومضموناً رَبْطاً بمعطيات تتحدّث عن رغبةٍ في إشراكِ عَمان ومنْحها دوراً في «لجنة التحقق» الناظِمة لـ «الاتفاق الإطار».

وسيكون هذا الاتفاق وسبل دفعه الى الأمام محورَ المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية التي تستضيفها تامبا – فلوريدا بين 22 و24 الجاري مبدئياً والتي ستكون عسكرية فقط، وسط مناخاتٍ في بيروت عن أنه وبمعزلٍ عن مآلات هذه الـ «ميني جولة» التي لا تشمل الشقّ السياسي والتي سيترأسها عن الجانب اللبناني رئيس الوفد المفاوض (السياسي – العسكري) السفير السابق سيمون كرم، عملاً بمبدأ «التمثيل بالمثل»، فإنّ مجرّد انعقادِ المحادثات قبل الانتخابات الإسرائيلية هو مكسب لبيروت التي طلبت من واشنطن عدم تأجيل الطاولة إلى نوفمبر وفق ما كان الإسرائيليون يحبّذون كي يحتفظوا بهوامش أوسع للتحرّك في الميدان وبحريةٍ أكبر بما يلائم إستراتيجيةَ حَصْدِ المزيد من الأصوات بـ «حصاد نارٍ» متواصل في الجنوب.

وقد نقلت «وكالة الأنباء المركزية» اللبنانية عن مصادر دبلوماسية «أن أكثر من دولة دخلت على خط مساعي توسيع اجتماعات تامبا لتصبح سياسية وعسكرية، كما يريد لبنان، ومِن هذه الدول، الفاتيكان التي زارها السفير السابق كرم في الساعات الماضية، والأردن الذي بحث ملكه مع وزير الخارجية الاميركي في الملف اللبناني، غير أن أي خرق إيجابي لم يُسجل على هذا الصعيد حتى الساعة».