الدولة والسلاح والسيادة: هل بدأ الحسم من المخيمات؟

قضية سلاح المخيّمات الفلسطينية في لبنان تخرج من إطار نقاش داخلي قديم لتصبح بارومترًا لمدى قدرات الدولة على إعادة احتكار العنف الشرعي، ومؤشراً إلى توازنات القوى المحلية والإقليمية. الخطوات العملية التي بدأت تتقاطع مع ضغوط دولية وإقليمية واعتبارات داخلية تتعلق بالاستقرار، لكنها تتقاطع أيضاً مع مخاوف الفصائل والسكان من فقدان ضمانات رمزية تبقِيهم أذرعاً مؤثرة في الساحة. ونجاح المسار أو فشله لن يحسم وضع المخيّمات فقط، وإنما يتجاوزه وصولًا إلى ميزان المصداقية السياسية لطبقة الحكم اللبنانية.

 

بدء خطة التسليم

في صباح 28 آب 2025 انطلق تنفيذ واضح على الأرض خارج حدود التجارب الرمزية السابقة، حين بدأ الجيش اللبناني استلام دفعات من الأسلحة من مخيمات تقع في مدينة صور، شملت الرشيدية والبص والبرج الشمالي. شهدت مداخل مواقع التسليم وجود شاحنات محمّلة بأسلحة خفيفة ومتوسطة وقذائف من طراز B7، وذكرت تقارير رسمية أن بعض الأسلحة تضمنت قذائف وصواريخ أرض–أرض من أصناف متوسطة ترفع سقف التعقيد الأمني. ترافقت العملية مع حضور قيادات عسكرية لبنانية وممثلين عن أجهزة فلسطينية رسمية، ما أعطى الإجراء طابعًا مؤسسيًا مختلفًا عن البداية التي بدت محدودة ورمزية.

هذا التحول الميداني مهم لأنه يرفع سقف النقاش وماهيته: لم يعد الحديث يقتصر على «شحنة صغيرة خرجت في شاحنة» بل على عمليات منظّمة يجري خلالها تلقي أسلحة متوسطة وثقيلة وتوثيقها وإدخالها إلى ثكنات الجيش. مع ذلك فإن كون التسليم يقتصر حتى الآن على فصائل أو مناطق بعينها يجعل النتائج جزئية وربما عرضة للاستغلال السياسي.

 

دلالات الانقسام الفصائلي وردود الفعل المحلية

التسليم الميداني القائم لا يعكس توحّداً فصائليًا شاملاً. قيادة المنظمة الوطنية والجهات الرسمية الفلسطينية أعلنت دعمها ووصفها للعملية بأنها تنفيذ لاتفاقات رئاسية، بينما تكرّرت تصريحات نفى فيها بعض الفاعلين في المخيّمات أن يكون ما جرى بدايةً لعملية نزع عامة وقاطعة. هذا التباين يدلّ إلى وجود قنوات تفاوض رسمية لا تزال ضعيفة أمام سلطة الفعل الميداني داخل المخيمات. ومن الناحية العملية، الاتفاق مع «السلطة الفلسطينية» يبقى ناقص المفعول إذا لم ينزل كخيار مُقْنِع إلى قادة الميدان، وهذا ما يفسّر التحفّظات وعدم الالتزام الفوري من بعض الفصائل.

في هذا السياق، قال مصدر مطّلع لـ"المدن" إن ما يجري اليوم في ملف السلاح الفلسطيني يشمل مختلف فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، التي بدأت بتسليم أسلحة متنوعة ضمن الاتفاق القائم مع الدولة اللبنانية. وأوضح المصدر أن العملية لم تعد تتم بصفة حركة «فتح» أو غيرها، بل باتت تُنسب إلى منظمة التحرير مجتمعة، بعدما اتُّفق على أن تكون المنظمة هي المرجعية الجامعة التي تمون على هذه الفصائل وتلزمها بقراراتها. لكنه أشار إلى أنّ الإشكالية لا تزال قائمة في ما يتعلق بالفصائل الأخرى التي لا تنتمي إلى منظمة التحرير، وتحديداً حماس والجهاد الإسلامي، إذ إن هذين التنظيمين لا يخضعان لمرجعية المنظمة. وبالتالي فإن وجودهما وسلاحهما في لبنان يعتبر وجودًا غير شرعي، لأن اتفاق القاهرة الذي كان قد شرّع سلاح الفصائل الفلسطينية في السابق قد سقط نهائياً ولم يعد معمولاً به. وأكد المصدر ان خطوة اليوم هي بداية فعلية وستكتمل لتسليم كل سلاح الفصائل المرتبطة بمنظمة التحرير.

 

آليات التنفيذ على الأرض: أين الخلل وما المطلوب؟

الواقع العملي يُفرز مكوّنات متداخلة تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية والقانونية والاجتماعية. على مستوى التسجيل والنقل، أحرز الجيش تقدمًا لوجستيًا مقارنة بالمبادرات الرمزية الأولى، لكنه لا يزال أمام تحدّي توحيد بروتوكول موحّد وشفاف لكيفية إحصاء الأسلحة، نقلها، تخزينها أو إتلافها، مع آليات تسجيل رقابية تضمن الشفافية ومنع أي ازدواجية في السجلات. على مستوى القضايا القانونية ثمة حاجة إلى إطار قضائي واضح يحدد معالجة ملفات المطلوبين ضمن مساطر قانونية معروفة، بعيداً عن اتّسامها بالازدواجية. وعلى مستوى البنية الاجتماعية والاقتصادية لا بدّ من حزمة برامج تشغيل وخدمات متزامنة مع كل عملية سحب لمنع تفاقم الفراغ الأمني والاجتماعي داخل المخيّمات، لأنّ الفقر والبطالة يظلان محرّكين قويين لاعتماد السلاح كأداة حماية أو نفوذ محلي. غياب أي من هذه المكوّنات يسهّل عودة السلاح إلى التداول في غياب البديل الذي يفترض أن تؤمنه الدولة.

 

الربط السياسي بين سلاح الفصائل الفلسطينية وسلاح حزب الله

الربط بين الملفين ليس مجرد تكثيف إعلامي، بل خيار استراتيجي يخدم هدفاً مركزياً لدى الدولة اللبنانية: استعادة حصرية مؤسسات الدولة في مسألة السلاح. من منظور الدولة، هناك أسباب موضوعية لربط المسارين. أولاً، كلاهما يمسّ جوهر مفهوم السيادة: قبول وجود أسلحة منظّمة خارج المؤسسة العسكرية يقوّض قدرة الدولة على تطبيق القانون بصورة متساوية ويضعف سلطة المؤسسات الرسمية في فرض قواعد التعامل داخل المجتمع. بالتالي، إنجازٌ عملي في ملف المخيّمات يعزّز خطاب الدولة القائل بضرورة توحيد شروط الامتثال والقانون أمام جميع الفاعلين المسلّحين.

ثانياً، النجاح في ملف المخيّمات يولّد رصيداً سياسياً ودبلوماسياً لبيروت، قادرًا على تحسين موقعها في المفاوضات الإقليمية والدولية.

ثالثاً، ثمة بعد داخلي مرتبط بآليات التوازن السياسي. حزب الله بناؤه كقوة مسلحة له تأثير داخلي–سياسي واسع، وقراره بالمشاركة أو المعارضة لخطوات الدولة في ملفات السلاح يتأثر بحساباته الاستراتيجية. من زاوية الدولة، إنجاز ملموس في المخيّمات يفرض وقائع جديدة على طاولة التفاوض الداخلي؛ فحين يتضح أن الدولة قادرة على تنفيذ إجراءات منظمة دون تفجير أمني واسع، تتقلص وسيلة الابتزاز السياسي التي تعتمد على تصوير أي محاولة لتطبيق القانون بأنها عامل تصعيد.

وفي هذا الإطار، يلفت مصدر مطّلع للمدن " إلى أن سلاح حماس والجهاد الإسلامي في لبنان لا يدخل ضمن الاتفاق بين الدولة ومنظمة التحرير، ما يجعله خارج أي إطار قانوني. والأهم أن هذا السلاح يرتبط عملياً بحزب الله الذي يستخدم هذه الفصائل كامتداد له، ما يجعله جزءاً من شبكة النفوذ العسكري–السياسي الأوسع للحزب. وهذا الترابط يعقّد مسار المعالجة لأنه لا يقتصر على ملف فلسطيني داخلي، بل يتصل مباشرة بتوازنات إقليمية وبنية النفوذ الإيراني في المنطقة."

رابعاً، هناك بعد إقليمي: الأطراف الخارجية التي تدعم أو تضغط على فاعلين محليين تراقب مؤشرات التنفيذ. نجاح الدولة في ملف المخيّمات يخلق حالة من الدبلوماسية العملية التي قد تقلّل من المساحات التي تستثمرها قوى إقليمية للحفاظ على نفوذها عبر مسلّحين محليين. 

 

بين الجدّية الجزئية والنجاح الاستراتيجي

ما شهده اليوم من تسلم في صور وحضور رسمي فلسطيني ولبناني يرفع من مستوى الجدية الإجرائية، لكنه يضع المسؤولين أمام اختبار أصعب: تعميم هذه الخطوات على مخيّمات أخرى وإقناع فصائل لم تُشارك بعد. هناك فرصة حقيقية لتحويل هذه المبادرة إلى سياسة دولة إذا ما تمّ الجمع بين عنصر الحزم المؤسسي والقدرة على بناء توافقات ميدانية قابلة للتحقق، إلى جانب أدوات إنمائية ملموسة. ربط ملف المخيّمات بملف سلاح جماعات أخرى يجعل من نجاح هذا المسار مسألة مركزية في استعادة السيادة الوطنية، ويضع أمام الدولة خيار استخدام أدوات القانون والسياسة والاقتصاد لفرض قواعد اللعبة بدل أن تبقى رهينة واقع مسلّح متفرق. فبسط سلطة الدولة على كل أراضيها ليس ترفًا نظريًا، بل هو الأساس الذي لا بد منه لتحقيق أمن مستدام واستقرار سياسي يرسّخ عمل المؤسسات ويجعل من لبنان فضاءً يخضع فيه الجميع لسلطة القانون على قدم المساواة.