الديبلوماسية بين الشرعية الدستورية والرقابة البرلمانية

شهدت البحوث المعاصرة حول البرلمان والديبلوماسية نوعاً من التلوُّث المفاهيمي، إذ جرى اختزال العلاقة بين المؤسستَين بمفهوم ضيّق هو «الديبلوماسية البرلمانية»، أي نشاط البرلمانيِّين في العلاقات الدولية عبر الزيارات والاتحادات البرلمانية. غير أنّ هذا الاختزال يحجب البُعد الأعمق والأكثر تأثيراً، والمتمثّل في التفاعل البُنيوي بين السلطتَين التنفيذية والتشريعية في رسم السياسة الخارجية وصياغة القرار الديبلوماسي. الديبلوماسية، في جوهرها، ليست شأناً برلمانياً مباشراً، بل هي امتداد لوظيفة الدولة السيادية التي تضطلع بها السلطة التنفيذية، في حين يضطلع البرلمان بدور الإضفاء الديمقراطي والرقابة.

تتجلّى أهمية هذا التمييز في السياق اللبناني الراهن، ولا سيما عقب تكليف رئيس الجمهورية سفيرة لبنان في واشنطن مباشرة اتصالات تمهيدية لفتح مسار تفاوضي مع إسرائيل بوساطة الولايات المتحدة الأميركية، بهدف إخراج لبنان من أزمة خطيرة أُقحم فيها من دون رؤية استراتيجية. أثار هذا التطوُّر بعض الاعتراضات التي بدت، في جوهرها، كزوبعة في فنجان، إذ بلغ بعضها حدّ التشكيك في دستورية التفاوض، بل واتهام القائمين به بمخالفة قانون العقوبات، ولا سيما المواد 273 وما يليها، وتحديداً المادة 278 المتعلقة بالاتصال بالعدو والتخابر معه.

إلّا أنّ هذه المواقف تتجاهل حقيقة دستورية وقانونية أساسية، مفادها أنّ التفاوض الدولي، حتى مع عدو، يدخل في صميم صلاحيات الدولة، ولا يمكن تجريمه متى تمّ في إطار الشرعية الدستورية وبهدف حماية المصلحة الوطنية العليا. بل إنّ التاريخ الدولي حافل بأمثلة تفاوضت فيها الدول مع خصومها في ذروة النزاعات، لأنّ الديبلوماسية، وفق التعبير الكلاسيكي، ليست سوى استمرار للحرب بوسائل أخرى أقل كلفة وأكثر عقلانية.

انطلاقاً من هذا الفهم، يتبيّن أنّ رئيس الجمهورية، عندما ينخرط في مسار تفاوضي يرمي إلى استعادة أراضٍ محتلة أو تثبيت السيادة، إنما يطبّق نص وروح القسم الدستوري الذي يُلزمه بصون استقلال الوطن ووحدة أراضيه. يؤكّد الدستور اللبناني هذا الدور في المادة 52، التي تنصّ على أنّ رئيس الجمهورية يتولّى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، على أن لا تصبح نافذة إلّا بعد موافقة مجلس الوزراء، وعلى أن يُطلع مجلس النواب عليها عندما تسمح مصلحة البلاد بذلك. كما تشترط هذه المادة موافقة المجلس النيابي على المعاهدات ذات الطابع المالي أو التجاري أو تلك التي لا يجوز فسخها سنوياً.

وفي هذا الإطار، تندرج الأعمال المرتبطة بالسياسة الخارجية ضمن فئة «الأعمال الحكومية» (actes de gouvernement)، وهي فئة خاصة تتمتع بحصانة قضائية، إذ تخرج عن رقابة القضاء الإداري. ويستند هذا المفهوم إلى فكرة سيادة الدولة، إذ يُقرّ القضاء بعدم اختصاصه في النظر في مشروعية القرارات المرتبطة مباشرة بإدارة العلاقات الدولية، نظراً لما تنطوي عليه من اعتبارات سياسية واستراتيجية عليا. وبالتالي، فإنّ إخضاع قرار التفاوض لمنطق التجريم الجزائي أو الرقابة القضائية يشكّل خلطاً واضحاً بين ما هو سياسي سيادي وما هو قانوني عادي.

على صعيد توزيع الصلاحيات، تخضع السياسة الخارجية في لبنان لإطار دستوري واضح تعزّز بعد تعديلات ميثاق الطائف عام 1989، والتي أعادت التوازن لمصلحة مجلس الوزراء. الحكومة، بوصفها السلطة التنفيذية، تُعدّ الفاعل الرئيسي في رسم السياسة العامة، بما في ذلك أبعادها الخارجية. فهي التي تضع هذه السياسة وتسهر على تنفيذها، وتتولّى التفاوض على المعاهدات وإبرامها، كما تدير العلاقات الديبلوماسية عبر وزارة الخارجية، تحت إشراف مجلس الوزراء وبالتنسيق مع رئيس الجمهورية.

في المقابل، يؤدّي مجلس النواب دوراً أساسياً في إضفاء الشرعية الديمقراطية على هذه السياسة وفي مراقبة عمل الحكومة. فهو يوافق على المعاهدات الأساسية، ولا سيما تلك التي تمسّ بالسيادة أو المالية العامة، ويمنح الثقة للحكومة على أساس بيانها الوزاري الذي يتضمّن توجّهاتها الخارجية، كما يمارس رقابته عبر الأسئلة والاستجوابات والمناقشات العامة. ويشكّل المجلس أيضاً منبراً للنقاش الوطني حول الخيارات الاستراتيجية الكبرى، بما في ذلك قضايا الحرب والسلم والعلاقات الإقليمية.

إلّا أنّ فعالية هذا التوزيع تبقى رهينة الواقع السياسي، إذ يتأثر القرار الخارجي اللبناني بعوامل بنيوية، أبرزها الثوابت الدستورية التي تؤكّد أنّ لبنان عربي الهوية والانتماء وعضو مؤسس في جامعة الدول العربية، مع احتفاظه بهامش سيادي يُتيح له انتهاج سياسات تتلاءم مع مصلحته الوطنية، بما في ذلك خيار الحياد.

بعض القوى التي ساهمت في إدخال لبنان في دوامة الحرب، تتعامل مع الدولة بمنطق الوصاية، وتسعى إلى إبقائه رهينة لمحاور خارجية، في وقت تغيّرت فيه موازين القوى في المنطقة. ولم يعُد الشرق الأوسط كما كان في العقود الماضية، كما أنّ لبنان يشهد تحوّلاً مؤسساتياً يتمثّل في استعادة الدولة لدورها، وعودة رئاسة الجمهورية إلى ممارسة صلاحياتها كاملة وفق المادة 49، إلى جانب قيام حكومة تمارس وظيفتها التنفيذية بعيداً عن منطق «البرلمان المصغّر» الذي ساد بعد الطائف.

في ظل هذا التحوُّل، يحظى لبنان بدعم عربي ودولي لإعادة ضبط أوضاعه الداخلية وإقفال ساحاته المفتوحة، بعدما تحوَّل، بفعل الانهيار والفوضى، إلى مصدر قلق لنفسه ولمحيطه وللمجتمع الدولي، سواء من خلال الإرهاب أو شبكات المخدرات.

إنّ الديبلوماسية ليست شأناً برلمانياً بالمعنى الضيّق، بل هي وظيفة سيادية تتولاها السلطة التنفيذية ضمن إطار دستوري واضح، في حين يضطلع البرلمان بدور جوهري في الرقابة والإضفاء الديمقراطي. وأي محاولة لتسييس هذا التوزيع أو تشويهه، عبر اتهامات جزائية أو شعارات تخوينية، لا تؤدّي إلّا إلى إضعاف الدولة وتعطيل قدرتها على الخروج من الأزمات. فالحروب تنتهي دائماً على طاولة المفاوضات، والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان يجب التفاوض، بل كيف يتمّ ذلك، وبأي رؤية، ولأي مصلحة وطنية.