المصدر: اللواء
الكاتب: صلاح سلام
الخميس 16 تموز 2026 07:26:02
لم يكن الاتفاق الذي خرجت به الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في روما مجرد خطوة إجرائية لتنفيذ بعض بنود اتفاق الإطار، بل شكّل نقطة تحوُّل أنقذت العملية التفاوضية برمتها من خطر الانهيار. فقد بلغ الموقف اللبناني مرحلة لم يعد معها ممكناً الاستمرار في التفاوض، فيما كانت إسرائيل تواصل المماطلة في تنفيذ التزامها الأساسي بالانسحاب من "المناطق التجريبية"، وهو الالتزام الذي أُقرَّ في الجولة الخامسة بواشنطن باعتباره الاختبار الأول لجدية الاتفاق.
وقد نجح لبنان، عبر تحرُّك دبلوماسي وسياسي مكثف، في إقناع الإدارة الأميركية بأن استمرار التعنت الإسرائيلي سيقوِّض صدقية الرعاية الأميركية للمفاوضات، ويعيد الأوضاع إلى نقطة الصفر. وإدراكاً منها لخطورة هذا الاحتمال، كثفت واشنطن ضغوطها على حكومة بنيامين نتنياهو، بما أفضى إلى التوصل إلى تفاهم أعاد إطلاق مسار تنفيذ اتفاق الإطار، وأثبت أن على الولايات المتحدة أن تضطلع بمسؤولياتها كراعٍ وضامن للعملية التفاوضية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية لأنها جاءت عشية الزيارة المرتقبة للرئيس جوزاف عون إلى البيت الأبيض في الحادي والعشرين من تموز، وهي زيارة يُعوّل عليها لإرساء مرحلة جديدة من العلاقات اللبنانية – الأميركية، قائمة على دعم مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، واستكمال تنفيذ الالتزامات المتبادلة الواردة في اتفاق الإطار.
كما يصعب فصل هذا التطور عن التباين المتزايد بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، سواء على خلفية استمرار العمليات العسكرية في لبنان، أو بسبب سياسة التوسع داخل الأراضي السورية. وقد عبّر ترامب بصورة علنية عن رغبته في أن تنسحب إسرائيل من لبنان وسوريا، انطلاقاً من قناعته بأن استمرار الاحتلال والتصعيد العسكري يعرقل مشروع الاستقرار الذي تسعى إليه إدارته في المنطقة.
قد لا يكون الاتفاق الذي تم التوصل إليه مثالياً، ولا يحقق الطموح اللبناني المشروع بتحرير كامل الأراضي المحتلة في أسرع وقت، لكنه، في ظل موازين القوى الراهنة، يمثل "اتفاق الممكن" لا "اتفاق الأمنيات". والأهم أنه يكرس مبدأ بالغ الدلالة: أن إسرائيل ليست قادرة على تعطيل المفاوضات إلى ما لا نهاية متى توافرت إرادة أميركية حقيقية لممارسة الضغط عليها. ومن هنا، فإن نجاح هذه الخطوة يجب أن يتحول إلى قاعدة لا إلى استثناء، بحيث تواصل واشنطن إلزام حكومة نتنياهو بتنفيذ جميع التزاماتها، وصولاً إلى الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، لأن أي تراجع أو تسويف جديد لن يهدد اتفاق الإطار فحسب، بل سيقوِّض صدقية الرعاية الأميركية.
لقد دخلت المفاوضات اليوم مرحلة الاختبار الفعلي، تمهيداً للتأكيد بأن الديبلوماسية قادرة على تحرير الأرض وإسترجاع السيادة، وإطلاق ورشة الإعمار. بعيداً عن الشعارات والمزايدات التي جرَّت الويلات.