المصدر: المدن
الكاتب: عزة الحاج حسن
الثلاثاء 11 آب 2026 07:23:42
لم تعد الأسئلة الاقتصادية المعقّدة في لبنان حكراً على الخبراء أو تقارير المصارف، فاليوم، يكفي أن يكتب شخص سؤالاً على منصة مثل ChatGPT أو Claude حتى يحصل خلال ثوانٍ على تفسير لانهيار سعر صرف الليرة، أو شرح لتعدد أسعار الصرف في لبنان أو أي بلد في العالم، أو حتى إجابة عن مصير أمواله في المصارف اللبنانية.
هذا التحوّل جعل أدوات الذكاء الاصطناعي جزءاً من الحياة اليومية، ومرجعاً سريعاً أساسياً لفهم واحدة من أعقد الأزمات المالية في العالم الحديث. لكن هذا "الشرح السريع" يطرح سؤالاً أكثر تعقيداً: هل يساعد الذكاء الاصطناعي فعلاً في تبسيط فهم الأزمة الاقتصادية اللبنانية وتوضيحها بشكل أفضل، أم أن اختزال الوقائع في إجابات عامة ومبسطة قد يؤدي إلى فقدان السياق، وبالتالي إنتاج معرفة ناقصة أو مضلِّلة؟ وهذا ما يأخذنا إلى السؤال الثاني الأكثر وضوحاً: هل يُعتبر الذكاء الاصطناعي أداة تثقيف اقتصادي أم تضليل؟
وبين حاجة اللبنانيين إلى الفهم السريع، وتعقيد الواقع المالي والنقدي والاقتصادي عموماً في لبنان، نطرح في هذا التحقيق إشكالية ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الخطاب الاقتصادي، كأداة للتثقيف أم التضليل، نقوم باختبار الذكاء الاصطناعي وبتحليل الإجابات واستطلاع رأي بعض المتخصّصين بالاقتصاد حول كيفية وماهية استخدامهم للذكاء الاصطناعي وجدوى الاستعانة به في القضايا الاقتصادية والمالية.
اختبار الذكاء الاصطناعي
لاختبار قدرة الذكاء الاصطناعي على شرح قضية اقتصادية معقّدة مثل سعر صرف العملة في لبنان (على سبيل المثال)، اعتمدنا منهجية بسيطة تقوم على طرح السؤال نفسه بصيغتين مختلفتين، الأولى مقتضبة جداً سريعة وبسيطة، والثانية أكثر تفصيلاً ووضوحاً، وقد توجهنا بالسؤالين إلى منصتي الذكاء الاصطناعي (Sonnet 5) Claude وChatGPT (GPT-5.5) بهدف معرفة دقة الإجابات من جهة وما إذا كانت طريقة صياغة السؤال تؤثر على دقة الإجابات ومدى اكتمالها من جهة أخرى، أم أن النتيجة تبقى ثابتة بغضّ النظر عن الصياغة.
توجهنا بالسؤال المقتضب "باختصار شديد ما هو سعر الصرف حالياً في لبنان؟" إلى النموذجين، بتاريخ 5 تموز 2026.
أعطى Claude في إجابته رقماً تقريبياً لسعر الدولار في لبنان (حوالي 89500-89700 ليرة)، ووصفه بأنه "السعر الرسمي الموحّد المعتمد من مصرف لبنان والسوق" وهي صياغة تختزل واقعاً أكثر تعقيداً في جملة واحدة موحية بالاستقرار والوضوح.
وهنا يمكن اعتبار Claude أصاب في تقدير سعر الصرف، إذ وبحسب مصرف لبنان فالسعر الرسمي للدولار يبلغ 89500 ليرة فعلاً في حين يتم التعامل بسعر الـ89700 ليرة في قطاع المحروقات، لكنه أخفق في اعتباره سعراً موحّداً إذ يجري العمل بسعر صرف آخر لدى المصارف وفي بعض المعاملات.
أما ChatGPT فاكتفى بإعطاء نطاق سعري تقريبي 89000-90000 ليرة؛ أي ما يعادل 0.99 دولار – 1.005 دولار، علماً ان سعر الصرف الرسمي المعتمد لدى مصرف لبنان المركزي حالياً في لبنان فهو محدد عند 89500 ليرة للدولار الواحد. قد تكون الأسعار التي عرضها ChatGPT متقاربة جداً من سعر الصرف الرسمي لكن لا يمكن اعتبارها أنها دقيقة ففي علم الأرقام لا يمكن تجاهل النسب والفواصل مهما بلغت قيمتها. كما أغفل ChatGPT الإشارة إلى وجود أكثر من سعر صرف، أو إلى الفروقات القانونية والمحاسبية التي لا تزال قائمة، ومن بينها سعر الدولار المعتمد لدى المصارف اللبنانية في صرف الودائع القديمة وهو 15000 ليرة (0.16 دولار).
بالنسبة إلى السؤال بصيغته المختصرة والسريعة والتي يمكن أن يطرحها أي مستخدم عادي، لم يقدّم أي من النموذجين ChatGPT وClaude إجابة واضحة وشاملة كما أن النموذجين قدّما سعرين لسعر الصرف متقاربين لكنهما غير متطابقين ولم يحسم أي منهما وجود تعدّد أسعار صرف في لبنان أم لا كما لم يذكر أي من النموذجين مصادر لمعلوماته.
أما بالرد على السؤال التفصيلي "اكتب فقرة لا تتجاوز 100 كلمة تقدّم خلفية عن ماهية سعر الصرف الرسمي حالياً في لبنان وهل ثمة تعدد أسعار صرف وما هي؟ أضف بجانب كل ادعاء رقماً مرجعياً يشير إلى مصدره، واذكر روابط المصادر الكاملة في نهاية الفقرة. اعتمد على معلومات حقيقية وموثوقة فقط، ولا تختلق أي مصدر أو رابط."
تغيّرت جودة إجابة Claude بشكل ملحوظ، وأوضح المسار التاريخي لتغيير السعر الرسمي. وقال "يعتمد مصرف لبنان حالياً على سعرين ثابتين للصرف: 89500 ليرة للدولار للتعاملات بعد تشرين الأول 2019، و15000 ليرة (0.16 دولار) لما قبل ذلك التاريخ. السعر الرسمي المعلن يقارب 89500 ليرة، فيما تتحرك السوق ضمن هامش ضيق حوله (نحو 89700 ليرة). ورغم تقارب السعرين اليوميين، لا يزال التعدد قائماً قانونياً، إذ لم يُقرّ بعد تحرير وتوحيد شامل للصرف عبر قانون نافذ.
وقد لفتني في إجابة Claude عدم تجاهل سعر الصرف 89700 ليرة وهو السعر المعمول به رسمياً لدى محطات المحروقات في لبنان.
بدوره ChatGPT قدّم إجابة أكثر تفصيلًا شملت ثلاثة مستويات سعرية: السعر الرسمي، سعر السوق الموازية، وأسعار المنصات المصرفية الخاصة وقال "إن سعر الصرف الرسمي المعتمد حالياً في لبنان هو 89500 ليرة لبنانية للدولار الواحد تقريباً (سعر الصرف الفعلي الذي تعتمده وزارة المالية). لا يزال لبنان يشهد تعدداً في أسعار الصرف، وإن تقلّص مقارنة بذروة الأزمة: فهناك سعر منصة المصارف/ السوق الرسمي، وسعر احتساب بعض الرسوم والضرائب وهو 15000 ليرة، وأسعار مرتبطة بمعاملات مصرفية أو إدارية مختلفة، وقد سعى مصرف لبنان والحكومة إلى توحيد الأسعار تدريجياً، لكن صندوق النقد الدولي ما زال يوصي بتوحيد جميع أسعار الصرف عند سعر السوق.
التحقق من الإجابات من مصادر رسمية
النتيجة الأولية للاختبار تشير إلى خلاصة مهمة مفادها أن جودة إجابة الذكاء الاصطناعي في القضايا الاقتصادية المعقّدة ترتبط بشكل مباشر بطريقة صياغة السؤال. فكلما كان السؤال أكثر تحديداً ووضوحاً في تعريف ما هو مطلوب (سعر رسمي؟ تعدد أسعار؟ سياق قانوني؟)، كانت الإجابة أقرب إلى الدقة والاكتمال. أما الأسئلة المختصرة جداً، فدفعت النماذج إلى تبسيط أفقد الإجابة الدقة والوضوح، مثل استمرار وجود سعرين رسميين في لبنان رغم "التوحيد" الظاهري. وبالرغم من ذلك يبقى هناك احتمالات لوقوع أي من نماذج الذكاء الاصطناعي في خطأ ما يحتّم على المستخدم التحقق من المعلومات من أكثر من منصة أو من مصادر رسمية.
وفي حالتنا هذه قمنا بالتحقّق من دقة المعلومات من مصادر رسمية مرفقة بروابطها. مع الإشارة إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي لم تُرفق إجاباتها على الأسئلة المختصرة بروابط رسمية بخلاف الإجابات التفصيلية رداً على الأسئلة الدقيقة التي تضمنت طلباً بإدراج روابط لمصادر رسمية في نهاية الإجابة، وهو ما أعطى موثوقية أكبر للمعلومات التي عرضها الذكاء الاصطناعي.
كيف يعتمد المتخصّصون بالاقتصاد على AI
تنتقد ليال منصور الأستاذة في الجامعة الأميركية في الكويت AUK والخبيرة بالاقتصاد النقدي الاعتماد على الذكاء الاصطناعي خارج إطاره الفعّال. وتميّز بين استخدامين اثنين: الأول كمصدر سريع لجلب المعلومة العامة وتقديم المساعدة، والثاني حين يُستخدم خطأً كبديل عن التحليل الاقتصادي المتخصّص. ومن خبرتها الميدانية في التدريس، ترى أن هذه النماذج مفيدة جداً حين يُحسن الشخص استخدامها. فهي، كما تقول، مجرد مساعِد لتوفير المجهود والوقت، لا بديل عن الفكر البشري في المجالات التي تستلزم قدرات الإنسان الذاتية.
فالنماذج التي يعتمدها الذكاء الاصطناعي نماذج معمَّمة تُطبَّق في كل مكان. لهذا قد تقدّم أحياناً حلولاً تخرج عن نطاق القانون المحلي أو النظام الاقتصادي القائم في الدولة. فحين يُسأل، مثلاً، عن الحل الأنسب لأزمة سعر صرف العملة، يميل إلى تقديم حلول مستقاة من تجارب دول ذات عملة ربما مرنة أو اقتصاد غير مدولر. وعليه تأتي الإجابة نظرية وعامة، ولا تغوص في خصوصية الحالة اللبنانية، بل تخرج أحياناً عن سياقها كلياً.
ولهذا الضعف، في السياق اللبناني والعربي تحديداً، سببان بحسب منصور الأول ندرة المصادر والبيانات الرسمية الصادرة عن هذه الدول مقارنة بالدول المتقدمة، والثاني ضعف موثوقية عدد من مصادر التحليل الاقتصادي في الإعلام العربي. فكثيراً ما يتصدّى للتعليق الاقتصادي أشخاص من خلفيات قانونية أو سياسية لا اقتصادية متخصّصة قائمة على الإحصاء والنماذج القياسية. فتُصاغ آراؤهم على أساس منطقي عام لا تحليل رقمي مثبت، وهذا ما ينعكس على جودة المحتوى الذي تستقي منه هذه الأدوات معلوماتها.
هذا الضعف البنيوي دفع منصور إلى اختبار الأداة عملياً مع طلابها، لا سيما خلال مرحلة التعليم عن بُعد، حين لاحظت أن اعتمادهم على الذكاء الاصطناعي بات شبه كامل. فابتكرت أسلوباً تقييمياً قائماً على الرسوم البيانية الملوّنة، وليس بهدف التخفيف من استخدام الذكاء الاصطناعي بل بهدف دفعهم إلى استنتاج علمي يقوم على أن الذكاء الاصطناعي ورغم قدراته الكبيرة، لا يمكن اتخاذه كبديل عن التفكير البشري، وأنه قد يرتكب أخطاء، وهو ما حصل فعلاً في قراءة تفاصيل بصرية دقيقة كتقارب الألوان من بعضها، وهي تفاصيل يميّزها الإنسان بسهولة.
وتوضح منصور أنها كأستاذة جامعية كما الجامعة كمؤسسة تشجّع بشكل كبير على استخدام الذكاء الاصطناعي، لكن ضمن إطاره الصحيح، وأنها تعمل مع طلابها على مواكبة هذا التطور التكنولوجي بالتوازي مع تعزيز قدراتهم الذهنية والنقدية الخاصة، بحيث تبقى الأداة وسيلة مساعدة لا بديلاً عن الجهد الفكري الفردي. وذهبت منصور إلى أبعد من ذلك فأعدت بحثاً علمياً يناقش مسألة إمكانية قيام الذكاء الاصطناعي بدور البنك المركزي، وذلك في سبيل الإضاءة على أهمية الاستعانة به كمساعد فقط لا كبديل عن الدور البشري.
وتشدد منصور على نقطة جوهرية وتعتبرها الخطأ الأكبر الذي يقع حين يتحول الذكاء الاصطناعي، في ذهن المستخدم، من "مساعد" Assistant ينفّذ الأوامر ويجلب المعلومة، إلى "خبير" يُعتمد عليه في التحليل واتخاذ القرار - خصوصاً في القرارات الاستثمارية أو المالية الشخصية. فالأداة، حين تُصاغ لها آراء تحليلية كتوصية بالاستثمار في الذهب أو ببيع سهم معيّن، لا تفكر فعلياً بصورة مستقلة، بل تكتفي بترديد آراء اقتصادية سابقة قد تكون هي نفسها خاطئة. وخلاصة موقفها أن الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة تختصر بها ساعات العمل، لا بديل عن التفكير البشري.
يلتقي لويس حبيقة الأستاذ في جامعة القديس يوسف (USJ) في بيروت والخبير الاقتصادي مع منصور في جانب كبير من موقفه، ويحمل رأياً نقدياً ومتوازناً تجاه توظيف الذكاء الاصطناعي في متابعة القضايا الاقتصادية، قوامه الحذر المنهجي وعدم الاتكال الكامل على أدوات AI.
فهو لا يعتمد على الذكاء الاصطناعي بشكل منهجي أو دوري في عمله الاستشاري، خلافاً لما هو معتاد في مجالات أخرى كالهندسة والطب حيث بات استخدامه أكثر انتظاماً. ومبدأه الثابت يبقى أنه لا يأخذ أي معلومة على محمل الثقة المطلقة، سواء أكانت صادرة عن تشات جي بي تي أم من مصادر أخرى من الذكاء الاصطناعي، بل يخضع كل معطى لعملية تحقّق مسبقة قبل تبنّيه.
ويشير حبيقة إلى مسألة خطيرة تتمثّل في تنامي اعتماد فئات معينة، وخصوصاً الطلاب والمهنيين المبتدئين، على الذكاء الاصطناعي في اتخاذ قراراتهم المالية وبناء ثقافتهم الاقتصادية. ويعتبر هذا التوجه سطحياً وينطوي على مخاطر حقيقية، كونه يقوم على اختصار الطريق من دون بناء الأساسيات المعرفية اللازمة أولاً. والأولوية، برأيه، يجب أن تبقى لتطوير الذكاء البشري الطبيعي، باعتباره الأساس الذي ترتكز عليه أي استفادة لاحقة من الأدوات الاصطناعية.
ومن واقع تجربته الشخصية، يقول حبيقة إن دقة الذكاء الاصطناعي تتراجع بشكل ملحوظ حين يتعلق الأمر بالقضايا الاقتصادية اللبنانية، لا سيما في ملف سعر الصرف، وذلك في ظل غياب بيانات رسمية محدَّثة يمكن الاستناد إليها. ويظهر هذا الضعف بوضوح أكبر في مجال التوقعات الاقتصادية، التي غالباً ما تأتي غير دقيقة - تماماً كما هي الحال في مجالات أخرى بعيدة عن الاقتصاد، كالتوقعات الرياضية.
ولا يفضّل حبيقة وصف الذكاء الاصطناعي بأداة "تثقيف" بالمعنى الكامل، بل يرى أن التسمية الأدق هي "تسهيل" Facilitation أو "تسريع"، فهذه الأدوات وفق حبيقة تختصر الوقت والجهد وتُسرّع الوصول إلى المعلومة، لكنها لا تضمن بالضرورة دقة النتيجة أو صحتها الكاملة. لذلك، ينصح حبيقة المستخدمين بالتحقّق والمقارنة المستمرة بين ما تقدّمه أدوات الذكاء الاصطناعي وبين الوقائع والأخبار الفعلية، فالأخطاء - سواء في اللغة أو في مضمون التحليل - ليست نادرة.
في المحصّلة يرى حبيقة أن لا شيء يحل محل الذكاء الإنساني، والتحدي الحقيقي ليس بالتخلي عنه لمصلحة الاصطناعي، بل بتطويره وتحسين أدائه، بالتوازي مع الاستفادة الحذرة من هذه الأدوات، خصوصاً في بلد كلبنان يفتقر إلى بيانات رسمية دقيقة ومحدَّثة.
أما علي نور الدين الكاتب الاقتصادي والأستاذ في جامعة القديس جاورجيوس في بيروت (SGUB)، فيوضح أن استخدامه للذكاء الاصطناعي يقوم على منطق عملي محض، كتوفير الوقت والجهد في المهام التقنية المتكررة، لا الاتكال عليه في التحليل أو الاستنتاج بحد ذاته.
فهو يعتمد عليه، أولاً، في إجراء المقارنات الرقمية. يزوّد أداة الذكاء الاصطناعي بجداول بيانات ومؤشرات اقتصادية على فترات زمنية طويلة، كنسب التضخم وسواها، ويطلب منها مقارنة دقيقة بين هذه الأرقام عبر الفترات المختلفة. وعلى هذا الأساس يمكنه البناء على النتائج، لكن بشرط تدقيقها أولاً للتأكد من صحة المقارنات، قبل اعتمادها بشكل نهائي. وهذا، كما يقول، يوفّر عليه وقتاً وجهداً كبيرين كانا سيُستنزفان لو أُجريت هذه المقارنات يدوياً.
كما يستعين نور الدين بالذكاء الاصطناعي في البحث المتخصص، لاستخراج تقارير متاحة على الإنترنت وفق شروط محددة يضعها مسبقاً، كتاريخ التقرير أو موضوعه أو النتائج المتوخاة منه - وهي إمكانية لا يتيحها البحث التقليدي عبر محركات مثل غوغل بالسهولة والدقة نفسيهما، لأن هذا الأخير يُعيد كماً هائلاً من النتائج غير المصنَّفة.
ويستعين بالذكاء الاصطناعي أيضاً في الترجمة، لا سيما للتقارير المطوّلة، توفيراً للوقت. لكنه لا يكتفي بالنتيجة المباشرة فيقوم بتدقيق الترجمة ثم يعيد ترجمتها إلى لغتها الأصلية، للتأكد من عدم وقوع أي تحريف أو خطأ في المعنى أو في أي كلمة، قبل اعتمادها بشكل نهائي.
تحليل النتيجة: أداة فهم اقتصادي أم تضليل؟
يتبيّن من مسار هذا التحقيق، بين جانبه العملي المرتبط باختبار نموذجين من نماذج الذكاء الاصطناعي، وجانبه الميداني القائم على استطلاع آراء عدد من المتخصّصين بالاقتصاد - نتيجة واحدة تتكرر من زوايا مختلفة: الذكاء الاصطناعي ليس أداة تضليل بطبيعته، لكنه أيضاً ليس أداة تثقيف بالمعنى الكامل. فدقته وفائدته مشروطتان بعاملين أساسيين، الأول طبيعة ودقة السؤال المطروح عليه، والثاني التحقّق من المعلومات التي يعرضها عبر مصادر رسمية.
ففي المرحلة الأولى، أظهر اختبار Claude وChatGPT أن جودة الإجابة ليست ثابتة، بل تتحسّن أو تتراجع بحسب دقة صياغة السؤال. فحين طُرح سؤال مقتضب عن سعر الصرف، قدّم النموذجان إجابتين متقاربتين لكن غير متطابقتين، ووقعا في الخطأ نفسه، وهو إغفال الإشارة إلى تعدد أسعار الصرف الفعلي في لبنان، وغياب أي مصادر تدعم الإجابة. أما حين أُعيدت صياغة السؤال نفسه بشكل أكثر تفصيلاً، مع اشتراط ذكر المصادر، فقد تحسّنت الإجابتان بشكل ملحوظ. وهذا يؤكد أن "التضليل" هنا لا ينبع بالضرورة من ضعف في الأداة، بل غالباً من دقة طريقة الاستخدام نفسها.
ويتقاطع هذا الاستنتاج، اللافت، مع خلاصات الخبراء الثلاثة، رغم اختلاف استخداماتهم ومقارباتهم. فمنصور شدّدت على أن الخطأ الأكبر يكمن في تحويل الأداة من "مساعد" ينفّذ المهام إلى "خبير" يحل محل التحليل البشري، وهو ما تؤكده تجربتها التعليمية. وحبيقة يصل إلى استنتاج مشابه من زاوية أخرى، إذ يفضّل تسمية الأداة بـِ "مسهّل" لا "مثقّف"، محذراً من الاتكال عليها في اتخاذ قرارات مالية بديلاً عن الخبرة المتخصصة. أما نور الدين فيمثّل النموذج الأكثر توازناً في الاستخدام، إذ يستثمر الذكاء الاصطناعي في مهام تقنية محددة، كالمقارنات الرقمية، لكنه يُبقي حلقة التدقيق البشري قائمة في كل مرحلة، فلا يعتمد نتيجة قبل التحقق منها، وهذا أمر بالغ الأهمية في شتى مجالات استخدام الـ AI.
يتّضح إذن أن الخيط الناظم بين نتائج الاختبار وآراء الخبراء واحد، وهو الذكاء الاصطناعي يؤدي دوره على أفضل وجه حين يُستخدم كـَ "محرك بحث ذكي" أو "مساعد تنفيذي" أو "مسهّل عمل"، يُختصر به الوقت والجهد في جمع المعلومة أو تنظيمها أو مقارنتها أو حتى استنتاجها، شرط أن تبقى مهمة التحليل والتفسير والقرار النهائي بيد الإنسان المتخصّص. أما حين تُستدعى أدوات الذكاء الاصطناعي لتقوم مقام الخبير نفسه؛ أي حين يُطلب منها تحليل معلومات اقتصادية أو مالية معقّدة فإن احتمال الخطأ يرتفع بشكل ملحوظ، ما لم تُصَغ الأسئلة أو التوجيه (prompt) بدقة عالية وتُرفق بروابط لمصادر رسمية تسهّل التحقّق من صحتها. وهذا ينطبق بشكل خاص على الحالة اللبنانية، حيث تتقاطع ندرة البيانات الرسمية المحدَّثة مع تعقيد بنيوي مالي ونقدي خاص.