السيادة على مذبح اللامركزية: لماذا لن تنقذنا التسويات التقليدية؟

كتب الوزير السابق روجيه ديب في النهار
مع كل منعطف إقليمي جديد، تلتفت الأنظار في بيروت نحو العواصم الكبرى والإقليمية. يترقب اللبنانيون حركة الديبلوماسيين وزيارات الموفدين، وتصريحات القادة من واشنطن إلى طهران، صعوداً إلى دمشق وتل أبيب، بحثاً عن خيط دخان أبيض يؤسس لتسوية تنهي أزمتهم المستدامة. في المقابل، يمتلئ الفضاء الإعلامي المحلي بسجالات عقيمة تُلقي باللوم كله على "المؤامرات الخارجية" أو على ارتهان الأحزاب وقوى الأمر الواقع.

لكن هذا التشخيص، على الرغم من واقعية بعض  أعراضه، يغفل  المرض الحقيقي الذي ينهش جسد الكيان اللبناني منذ عقود. .

لا يعي اللبنانيون خطورة وضعية بلادهم وهي تشبه وضعية بلاد أفريقيا الشمالية الغارقة في الديون والفساد والحوكمة الفاشلة قبيل استعمارها في القرن التاسع عشر، والإمبراطورية العثمانية قبل تقسيمها وتمزيقها وتصغيرها بعد الحرب العالمية الأولى!

"المافيا" الإيطالية  بنسخة لبنانيّة

 لتقريب الصورة، يشبه النظام اللبناني الحالي إلى حد بعيد النظام السياسي الحزبي التحاصصي الذي ساد إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية وحتى مطلع التسعينيات. هناك، تحالفت أحزاب متناقضة أيديولوجياً - من الديموقراطيين المسيحيين إلى الشيوعيين - مع شبكات المصالح العميقة والفساد، تحت شعار "الحفاظ على الاستقرار". والنتيجة كانت تحويل الدولة إلى غنيمة يتم تقاسم صفقاتها ومواردها لتمويل الماكينات الحزبية وإثراء الزعامات.
في لبنان، تحوّلت الدولة المركزية إلى "الجائزة الكبرى". فبسبب مركزيتها المفرطة، تصبح السيطرة على العاصمة بيروت وعلى الائتلاف الحاكم بمثابة وضع اليد على الحنفية المالية والخدماتية للبلد بأكمله. هذا الواقع فتح الباب أمام نوعين من السيطرة يتكاملان في نهب الدولة وتدمير سيادتها:

•    فائض القوة والعنف المباشر: الذي يمثله "حزب الله" لفرض إرادته السياسية والعسكرية.

•    التلاعب السياسي والمالي والبيروقراطي الذي تمارسه بقية أطراف المنظومة الحاكمة والدولة العميقة لـ"حلب" مؤسسات الدولة وتحويلها إلى إقطاعيات حزبية طائفية تحمي مصالحها.

وفي غياب المحاسبة، تستكمل القيادة الطائفية شرعيتها أو استمرارها من "الراعي الإقليمي أو الدولي". تتحالف معها ليعزز موقعها ضد منافسيها، وفي مقابل هذا الدعم، يتحول الزعيم المحلي إلى وكيل لمصالح تلك الدول. وبالتالي، فإن التدخل الخارجي ليس اقتحاماً طوعياً بقدر ما هو تلبية لدعوات مفتوحة يرسلها الداخل اللبناني المأزوم.

حياد لبنان لحل مأزق هرمز

هذا التداخل البنيوي يجعل من لبنان حجر زاوية في الصراع الإقليمي الكبير. اليوم، تبدو إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب غارقة في محاولة تفكيك حقول الألغام في الشرق الأوسط، وتحديداً ما يمكن تسميته "مأزق مضيق هرمز" والترتيبات مع إيران (Islamabad MOU) الشاملة المرتبطة بمذكرة تفاهم إسلام آباد. ضمن هذه اللوحة المعقدة، يُمثّل لبنان "العقدة التكتيكية" التي تستخدمها طهران للضغط عبر هزّ الاستقرار الإقليمي كلما زادت حدة المواجهة في الخليج. من هنا، يبرز الحياد اللبناني ليس كترف فكري، بل كمفتاح استراتيجي لإزالة حجر عثرة أساسي يعترض مسار صفقة أميركا الكبرى مع إيران وضمان خطوط الملاحة والطاقة العالمية.

ولكن كيف ننتقل بالحياد من التمنيات السياسية إلى الواقع الميداني؟ في ظل الوضع الراهن الحرج، لا يمكن  الحياد أن ينجح إلا إذا صدر بقرار أممي من مجلس الأمن الدولي كجهة ضامنة.

هذا الضمان الدولي الرفيع المستوى هو الوحيد القادر على توفير الجدية الكافية التي تدفع  بكل الأطراف إلى التراجع خطوة إلى الوراء، ضمن معادلة متكاملة ومرحلية:

•    تراجع إسرائيل وإيران: تعطي الضمانات الدولية في حياد لبنان الجدية الكافية لإسرائيل للانسحاب المتدرج حتى الكامل من الأراضي اللبنانية، وفي المقابل، تفرض تراجع النفوذ والوجود الإيراني المباشر وغير المباشر مع تأمين عودة النازحين إلى ديارهم.

•    العودة والتسليح: هذا الانسحاب الإسرائيلي والضمان الدولي لسلامة الحدود يمهدان الطريق لعودة أبناء الطائفة الشيعية بأمان إلى قراهم ومدنهم. تتزامن هذه العودة والانسحاب الإسرائيلي الشامل مع خطوة نزع سلاح "حزب الله" وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها، بما ينهي ذريعة "المقاومة المستمرة" بعد زوال الاحتلال.

الدواء الداخلي: اللامركزية الموسعة

بالتوازي مع هذا الحياد الدولي، يبقى المدخل الدستوري لحماية لبنان من الداخل هو اللامركزية الموسعة والشاملة واللاحصرية كما نصّ عليهما اتفاق الطائف.

إن كسر المركزية المفرطة هو الطريق الوحيد لإنهاء احتكار السلطة وتجفيف منابع الفساد المافيوي. عندما تدير كل منطقة شؤونها الإنمائية والخدماتية والمالية بشكل مستقل، تسقط "الغنيمة الكبرى" العاصمة والوزارات المركزية التي يتصارع عليها أمراء الطوائف. اللامركزية تحمي المناطق من تغوّل المركز بقوة السلاح أو المال، وتفرض محاسبة مباشرة من المواطن لقيادات محلية، حيث لا يعود في إمكان أي فصيل، مهما بلغت قوته، خطف قرار البلد بأكمله أو رهنه للمشاريع الخارجية.

خلاصة القول: إن السيادة لا تُستعاد عبر إعادة تدوير زوايا المحاصصة القديمة. الحل يبدأ من نقطة التقاء تاريخية: حياد صارم بضمان مجلس الأمن يفكك العقدة اللبنانية من شبكة الصراعات الدولية ويمهد لتطبيق القرارات الدولية، يقابله في الداخل إعادة صياغة للدولة عبر اللاحصرية واللامركزية الموسعة. من دون هذا التلازم بين "الحياد الأممي" و"اللامركزية الداخلية"، سيبقى لبنان ساحة مفتوحة لتصفية حسابات الآخرين، وجائزة ترضية مؤجلة في صفقات الكبار.

إن هذه الأفكار والمقترحات أعلاه ليست إلا محاولات للمحافظة على الكيان الموحد، وأساسها ثلاثة أعمدة: حصرية السلاح بيد الدولة، الحياد واللامركزية الموسعة. وإذا لا سمح الله، فشلت أي واحدة منها، فسيكون المصير ما تنبأ به وزير خارجية إيران السابق علي أكبر ولايتي المعتدل والموزون: الاتجاه نحو التقسيم. وما يعنيه هذا التصريح هو مدى إصرار إيران و"حزب الله" على الاحتفاظ بالسلاح، ونحن ندري هذه الصعوبة ونتمنى التغلب عليها.