الشيباني وكولوتوشا

لا يقلل عدم امتثال السفير الإيراني محمد رضا شيباني لقرار الدولة اللبنانية سحب اعتماده سفيراً واعتباره شخصاً غير مرغوب فيه من أهمية القرار المتخذ، في لحظة مفصلية من المواجهة  غير المسبوقة بين بيروت وطهران.  كما أن إعلان وزارة الخارجية الإيرانية يوم أمس إن سفيرها في العاصمة اللبنانية سيواصل عمله لا يضعف موقع الحكومة بل يرتقي بها وللمرة الأولى إلى مستوى النديّة مع طهران، بعد عقود من التبعية والإنقياد القسري فرضتهما عبر حزب الله على القرار السياسي وجزء كبير من الطبقة السياسية التي لا زالت ماثلة في المشهد القائم.
 
لقد توّج اعتبار السفير الشيباني شخصاً غير مرغوب فيه وطلب مغادرته بيروت كل ما سبقه من قرارات متعلقة بسلاح حزب الله منذ 5 أغسطس/آب 2025 حتى القرار الأخير بحظر أنشطته العسكرية والأمنية واعتبارها مخالفة للقانون، وهذا ما شكَل تراكماً لم تحتمله طهران فكان لا بد من الرد. لاقت طهران حلفاءها في بيروت الذين هالهم الحدث غير المألوف بالطلب الى الشيباني البقاء في لبنان دون الإعتبار ولو للحظة أن شجاعة القفز مرة واحدة فوق جدار الخوف أصبحت سلوكاً دائماً في الحياة السياسية اللبنانية، وأن من اتخذ قرار الإبعاد يمتلك القدرة على الذهاب إلى أبعد من ذلك. يستطيع الشيباني التمتع قدر ما يشاء بالطابع العمراني المميز لمبنى سفارة بلاده في بيروت وبالجداريات المستوحاة من الحضارة الفارسية، كما يستطيع تلبية الدعوات والتقاط الصور التذكارية لدى من تمسكوا به خلافاً لقرار المغادرة.تدرك طهران أن سفيرها أضحى غير ذي صفة في بيروت، لا دور ولا أية قيمة دبلوماسية له. هو مقيم داخل سفارتها وهي أرض إيرانية وليست لبنانية دون مسوّغ قانوني، ولا يمتلك شرعية توجيه أية مراسلة أو حضور أي لقاء بصفته الدبلوماسية.
 
قد لا تستطيع الحكومة اللبنانية وفق المعادلة الأمنية /السياسية القائمة من إلزام الشيباني على مغادرة لبنان أو إلزام حزب الله بوقف هجماته العابرة للحدود ومصادرة قرار الحرب، لكنها لن تعود عن قرارها بإبعاد الشيباني ولن ترضخ لأية محاولة لتوظيف النشاط العسكري المحظور لحزب الله في أية معادلة سياسية داخلية. إن التساؤلات التي تتبادر إلى الذهن حيال هذا الوضع السيريالي غير المسبوق هي: كم سيمكث الشيباني في بيروت بين جدران السفارة ريثما تنضج الظروف لخروجه الطوعي أو القسري؟ وما هي معالم العالم الجديد الذي سيخرج إليه الشيباني والتي سيعايشها خلال إقامته القسرية في سفاره بلاده؟ 
 
إن أية معاينة عقلانية ـــــــ ودون أي استباق لنتائج الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران بأبعادها الإقتصادية والأمنية ـــــ تؤكد أن الأهداف التي تحكم هذا الصراع تتجاوز كل ما أُدرج في أجندة التفاوض.  لقد اعتقدت طهران أن مهاجمة دول الجوار وتوقف سلاسل الإمداد بالطاقة وتعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز ستعوض مع إطالة أمد العمليات الفارق في ميزان القوى مع الولايات المتحدة وإسرائيل مما سيدفع بواشنطن لقبول التفاوض وتكريس طهران لاعباً إقليمياُ من جديد. لكن ما أثبتته الوقائع أن استراتيجية طهران في التمرد على خيار التفاوض قد تحوَل إلى فرصة لا تعوض للولايات المتحدة للمضي في إعادة رسم معالم المنطقة وإرساء قواعد جديدة في ما يتعلق بالطاقة وحرية  الملاحة في مضيق هرمز. وهذا ما يفضي إلى الإستنتاج أن نتائج الحرب الدائرة قد أصبحت محكومة بثابتتين: أولهما، عدم وجود سقف زمني حتى تحقيق الأهداف مهما بلغت التداعيات ومهما توسّعت دائرتها، والثابتة الثانية، أن إيران هي الخاسر المباشر الأكبر والوحيد بالنظر إلى المخاطر التي مثلتها تطور القدرات الايرانية إلى جانب العدوانية التي أظهرتها طهران أمام دول المنطقة والعالم. 
 
لن تكون معالم إيران الجديدة بعد انتهاء الحرب أقل قساوة من المتغيرات التي شهدها الإتحاد السوفياتي في مسار تفككه وتحوله إلى روسيا الإتحادية، لكن قراءة في كتاب «حكايا ونوادر المترجم العجوز» للسفير «فاسيلي كولوتوشا» آخر سفراء الإتّحاد السوفياتي في لبنان ( 1986 -1991) قد تلقي الضوء على ما يرافق تفكك الإمبراطوريات الكبرى. 
 
يقول كولوتوشا: «كانت بانتظارنا أحداث غيّرت مصائرنا بشكل حاد، إنهيار الاتحاد السوفياتي ورحيل غورباتشوف من منصب الرئيس وتحوّل وزارة الخارجية الإتحادية الى وزاره خارجية روسيا الإتّحادية. لقد بدأت حياة جديدة تماماّ في بلد جديد في نمط إقتصادي جديد وايديولوجيا جديدة». ويضيف: « كان ختام مهمتي في لبنان صعباً، ففي الإتحاد السوفياتي فشلت بيريسترويكا غورباتشيف وانهار الإقتصاد واندلعت في مختلف أنحاء البلاد صدمات إثنيه وعرقيه واعلنت دول البلطيق الإنفصال عن الإتحاد السوفياتي، وانتهت مظاهرة جماهيرية لسكان تبليسي في إبريل 1989 باراقة الدماء، بينما بدأ المولدفيون يصرخون في وجه الروس المقيمين هناك أحزموا حقائبكم والى محطه السكة الحديدية عودوا الى روسيا».
 
وفي ما يؤكد  الإصرار على الخروج من تجربة مضت نحو تجربة جديدة ينبغي إنجاحها  يكتب كولوتوشا : «سوف أحاول سرد ذكرياتي بأمانة وموضوعية بـأقصى حد ممكن، بل وسيتعيّن عليّ التطرق الى البعض منها مما كان يدرج بكل تأكيد في خانه سري أو حتى سري للغاية.وللحق فانا شخصياً لا أرى أية غضاضة في ذلك لأن كل تلك الأحداث التي سيجري الحديث عنها لا علاقة لها بتاتاً بالوضع الحالي، فالدولة التي خدمناها وكرسنا لها كل قدراتنا وخبرتنا وطاقتنا اختفت ولم يعد لها وجود».
 
فهل يخرج الشيباني من محجره في السفارة  مع ولادة إيران جديدة ، وهل يتحلى بشجاعة الكتابة عن دولة  لم تعد موجودة؟