الصايغ: مخطط إسرائيلي لتغيير وجه لبنان… و"قلب الطاولة" بدأ

أثارت تصريحات إسرائيلية حديثة، نُقلت عن مسؤولين عسكريين، موجة من التساؤلات في لبنان حول هدف الحرب، إذ أشارت إلى أنّ نزع سلاح حزب الله ليس هدفا مباشرا، في إشارة إلى النيّة في إضعاف قدراته وفرض معادلات أمنية جديدة، مع تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية نزع السلاح. هذا التناقض الواضح مع تصريحات سابقة كان يضع نزع السلاح في صلب الأهداف، يزيد الغموض ويترك اللبنانيين أمام سؤال حاسم: ما الذي تريده إسرائيل فعليًا من هذه الحرب؟ هل الهدف إزالة حزب الله، أم فرض سيطرة على المناطق الحدودية، أم هناك حسابات أخرى لا نعرفها؟

في إجابة له على هذه التساؤلات، رأى النائب سليم الصايغ أنّ الهدف الإسرائيلي كان واضحًا منذ اللحظة الأولى، ويتمثّل في تغيير الواقع القائم في لبنان، الذي تعتبره إسرائيل مصدر التهديد الأقرب والمباشر لها، موضحا أنّ هذا التوجّه حُسم مع انطلاق ما عُرف بـ "معركة إسناد غزة" في 8 تشرين الأول 2023، حيث باتت إسرائيل مقتنعة بضرورة خوض مواجهة جذرية وفعالة على جبهتها الشمالية، بعد الأضرار الكبيرة التي تكبّدتها نتيجة القصف من قبل حزب الله، لا سيما ما يتعلق بحالة التهجير الداخلي التي أثّرت على استقرارها السياسي والاجتماعي.

وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أنّ إسرائيل اعتقدت أنها نجحت في إنهاء هذا التهديد بعد سلسلة عمليات استهدفت قيادات وكوادر في حزب الله، معتبرا أنه كان من الصعب على الحزب الاستمرار في القتال بعد هذه الضربات، ما دفعه إلى القبول باتفاق وقف إطلاق النار في 28 تشرين الثاني 2024. إلا أن إسرائيل، بحسب الصايغ، لم تسع حينها إلى فرض اتفاق سياسي، لسببين: أولهما إعطاء الأولوية لملف غزة، وثانيهما غياب سلطة لبنانية قادرة على تقديم التزامات تتجاوز وقف إطلاق النار وتطبيق القرار 1701.

وتابع أنه وبعد قيام حكومة جديدة في لبنان لم يُفرض الالتزام بمندرجات الاتفاق المذكور، نتيجة عاملين أساسيين: عدم تعاون حزب الله مع الجيش اللبناني في منطقة جنوب الليطاني، واستمرار إسرائيل في احتلال خمس نقاط خلافًا للاتفاق، وهو ما استخدمه الحزب لتبرير عدم التزامه. وفي ظل هذا المناخ من انعدام الثقة، برز ما وصفه الصايغ بـ "معركة إسناد إيران"، حيث بات الحرس الثوري الإيراني يمسك بمفاصل القرار داخل حزب الله.

واعتبر أن إسرائيل خلصت إلى أن الاكتفاء بإقامة مناطق عازلة لم يعد كافيًا لضمان أمن شمالها، ما دفعها إلى تبنّي مقاربة جديدة تتجاوز البعد العسكري، على اعتبار أنّ الوصول إلى الليطاني أو حتى الأولي قد يكون شرطًا ضروريًا، لكنه غير كافٍ، إذ إن الهدف الأعمق يتمثل في الوصول إلى التأثير على القرار السياسي في بيروت، لافتًا إلى أن المسار الإسرائيلي يبدأ بالأمن وينتهي بالسياسة.

وأكّد الصايغ أننا أمام عملية "قلب طاولة" شاملة للوضع الداخلي اللبناني، قد تؤدي إلى تغييرات جذرية في بنية النظام وإعادة ترتيب الأولويات. ورأى أن إسرائيل، وإن لم تتدخل مباشرة في السياسة الداخلية، إلا أنها ستتعامل مع الدولة اللبنانية بشكل مختلف، إذ لم تعد تكتفي بوجود شركاء يلتزمون بالاتفاقات، بل باتت تبحث عن شركاء "مسؤولين" ضمن إطار الدولة، وفي الوقت نفسه تسعى إلى إقصاء كل من يعارضها، مهما كانت الكلفة الأمنية.

وحذّر من أن هذا التحول قد يقود إلى مرحلة دقيقة ومضطربة، تحمل في طياتها تأثيرات عميقة على الهوية اللبنانية، لتتحول الإشكالية السياسية في المرحلة المقبلة إلى سؤال وجودي: "أي لبنان نريد، ولأي سلام؟"

وبالنتيجة، تبقى الحرب بين تضارب التصريحات من مختلف الجهات مبهمة الأهداف ومليئة بالغموض، فيما يراقب اللبنانيون التطورات بقلق وسط تصاعد التوترات التي تجعل قراءة المشهد صعبة وتضع البلاد أمام مرحلة دقيقة قد تغيّر قواعد اللعبة بالكامل، فيما يظل تأثير هذه الحرب على الأمن والسياسة والهوية الوطنية حاضرًا بقوة في كل قرار وتحرك.