المصدر: المدن
الكاتب: فرح منصور
الثلاثاء 19 أيار 2026 18:54:57
تسارعت منذ الصباح الباكر حتى الساعة الثانية بعد ظهر اليوم الثلاثاء 19 أيار عقارب الساعة القانونية والسياسية في ساحة النجمة، في سباق محموم مع الزمن لإنجاز ملف مشروع قانون العفو العام وتخفيض العقوبات قبل الجلسة التشريعية المقررة يوم الخميس المقبل.
انتهى اجتماع اللجان المشتركة إلى إقرار مسودة نهائية محاطة بالكثير من الألغام والتنازلات المتبادلة. وذلك بحسب رغبة رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يبدو مستعجلًا لإنهاء هذا "الكباش البرلماني" وإقرار الصيغة النهائية للمشروع في جلسة الخميس المُقبل قبل عيد الأضحى وقبل اختتام الدورة العادية للبرلمان نهاية شهر أيار الجاري، بحسب ما كشف مصدرٌ من كتلة "التنمية والتحرير" لـ"المدن".
الأجواء والمحاضر التي تسربت من كواليس "مختبر" نائب رئيس المجلس إلياس بو صعب ومن مصادر نيابية متابعة لـ"المدن"، تكشف أنّ الصيغة التي جرى التوصل إليها لا يمكن وصفها بـ"العدالة المطلقة أو الشاملة"، بل هي إجراء استثنائيّ، ومحاولة بـ"المقصّ" لتحقيق أكبر قد ممكن من التوافق السياسي على حساب المبادئ الجنائية المستقرّة.
تسوية لـ"المظلومين" أم فخّ الأرقام؟
ينقسم مشروع القانون الجديد تقنيًّا إلى شقيْن متوازييْن: عفو عام استثنائيّ وتخفيضٍ عام للعقوبات. وفي الشق الإنساني الأبرز، جرى التوافق على إطلاق سراح كل من طالت مدّة توقيفهم الاحتياطي والتعسفي في غياهب السجون اللبنانية بعد رفع بعض النواب الصوت بسبب "الاستنسابية القضائية". يتقدّم هؤلاء السجناء أولئك الذين أمضوا 14 عامًا قيد التوقيف من دون صدور أحكام نهائية بحقهم، حيث سيُخلى سبيلهم فور إقرار القانون ونشره، مع استكمال محاكماتهم وهم طُلقاء.
أما معضلة الأحكام الكبرى، فقد خضعت لبورصة تخفيضات سياسية. إذ جرى الاتفاق على تخفيض عقوبة الإعدام لتُصبح 28 سنة سجنية، أي ما يقارب 21 سنة فعلية. في حين استقرّت الآراء على خفض عقوبة الأشغال الشاقّة المؤبدة لتصبح 17 سنة سجنيّة، أي 13 سنة فعليّة تقريبًا، بدلًا من المقترحات السابقة والتي تضاربت بين مطالبٍ بتحديدها بـ20 سنة سجنيّة، أو بخفضها إلى 15 سنة سجنيّة. وهي التسوية التي جاءت لتُلبّي الحد الأدنى من الضغوط الشعبية التي يواجهها النواب السنة في حاضناتهم الشعبيّة لإغلاق ملف "الموقوفين والمحكومين الإسلاميين".
أمّا بالنسبة لما يُعرف بملفّ "المبعدين، أو اللاجئين، إلى إسرائيل"، فقد رسا التوافق على إحياء واعتماد القانون الصادر في سنة 2011 كمرجعيّة وحيدة لتسوية أوضاع هؤلاء.
ألغام "الإدغام" والتخفيض
على الرغم من التوافق العريض على ضرورة إنهاء الملف ليُمرّر في الهيئة العامة لمجلس النواب يوم الخميس، إلّا أن أصواتًا معترضة من داخل اللجان رفعت الصوت ضدّ ما اعتبرته "لُغمًا خطيرًا" يُمرَّر "تحت الطاولة".
تكشف المصادر لـ"المدن" أن الكتل الكبرى، وبغية تمرير القضايا الثلاث الأكثر حساسية للشارع (تجار ومروّجو المخدرات، والإسلاميّون، والمبعدون)، وافقت على مادة قانونية تمنح تخفيضًا بمقدار "الثلث" لجميع العقوبات الأخرى تقريبًا بعد استثناء القضايا الجنائية الكبرى المُعقدة.
هذا "التخفيض الأعمى" أثار موجة اعتراضات حادة من بعض النواب. إذ تساءل المعترضون: "كيف يُمكن مساواة الجرائم الماليّة، وجرائم الاغتصاب، والتعديات بسلة تخفيضات الثّلث؟
إذ تبدو الصياغة متناقضة، ففي مادة أولى هناك لائحة استثناءات طويلة ومشدّدة تضم 14 جرمًا، تليها مادة تُشرع الباب لتخفيض كل العقوبات الأخرى إلى الثلث. وهو ما قد يراه البعض نسفًا للمبدأ الرّدعي للقانون.
وفي السياق القضائي المعقد نفسه، طُرحة مسألة "إدغام العقوبات". فبعد نقاشات حامية حول كيفية احتساب الأحكام المُتعدّدة للمحكوم الواحد، أقر مشروع القانون مبدأ "إدغام العقوبة الأشدّ". لكنّ النقاش والاتفاق اللاحق انتهى إلى منح القاضي الصلاحية التقديرية بجمع "ربع" العقوبة الأشد فقط من باقي الأحكام التراكميّة، بدلًا من النصف، مما يصب في مصلحة المحكومين بملفات متعددة ومتداخلة.
الاستثناءات والحق الشخصي: الخطوط الحمر
بالتوازي مع "سلّة التخفيضات"، تُظهر المستندات النهائية لمشروع قانون العفو العام جدارًا سميكًا من الاستثناءات المبدئيّة التي تقرّر الإبقاء عليها كما اتُفقَ على صيغتها في جلسات اللجان السابقة لـ"حفظ ماء وجه الدّولة".
تأتي في طليعة هذه الاستثناءات الجرائم المُتعلقة بجميع أنواع التعدي المُستمر على الأملاك العامّة للدولة اللبنانية، والأملاك البلديّة والمشاعات، والمنشآت الخاصة بالدولة، حيث نص القانون صراحةً على أنّه "لا يشمل العفو الغرامات المُقررة على المخالفات السابقة على هذا القانون".
كما تشمل الاستثناءات الصارمة الجرائم الواقعة على المال العام والجرائم المنصوص عنها في قانون مكافحة الفساد في القطاع العامّ (رقم 175/2020)، والجرائم المرتبطة بقانون الإثراء غير المشروع والتصريح عن الذمة المالية (رقم 189/2020). يُضاف إلى ما سلف جرائم تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وما يرتبط بها، والجرائم المنصوص عليها في قانون حماية البيئة.
الأهم من ذلك كُلّه، أنّ المُشرّعين وضعوا قيدًا حاسمًا يحمي الضّحايا. إذ نص مشروع القانون على عدم استفادة أي محكوم أو موقوفٍ من أحكام تخفيض العقوبات في القضايا التي تشتمل على "الحق الشخصي"، ما لم يكن هناك إسقاط رسمي وواضح للحق الشخصي من قِبَل المتضررين أو تسديد كامل للتعويضات المحكوم بها.
ينسحبُ ذلك على ما تضمنه القانون من سماح لأهالي الشهداء العسكريين بالتقدم بدعاوى أمام المحاكم المدنية للحفاظ على حقوقهم الشخصية. وذلك كمخرجٍ لما بات يُعرف بـ"قضية المتهمين بالقتال ضد المؤسسة العسكريّة".
بين رغبة رئيس مجلس النواب في حسم الملف تشريعيًّا الخميس، وحسابات القوى السياسية التي يسعى كلّ منها في ربع الساعة الأخير إلى تحصيل مكاسب إضافية لبيئته وناخبيه، يخرج قانون العفو العام إلى العلن "هجينًا". يُنصف فئة من المنسيين خلف قضبان السجون، ولكنّه يفتح الباب لمخاوف حقيقية من "عفوٍ" مُقنّعٍ قد يستفيد منه مرتكبو جرائم مالية وأخلاقية تحت غطاء التسوية السياسية الشاملة.