المصدر: المدن
الكاتب: أدهم مناصرة
الأحد 22 آذار 2026 15:59:53
لا تزال المديات النهائية والأهداف الكاملة للعملية العسكرية الإسرائيلية في لبنان، متضاربة وغامضة نسبياً، رغم مرور نحو ثلاثة أسابيع عليها؛ وذلك لثلاثة أسباب رئيسة، أولها أن التوغل الإسرائيلي الجاري حالياً بشكل "بطيء"، مرتبط بخطة أُعدت سلفاً، أي قبل بدء الحرب على إيران، عدا عن أنها صُممت على أساس تقييمات "غير دقيقة" بشأن قدرات حزب الله الصاروخية، وهو ما يعني أن الاحتلال يعكف على صياغة خطة محدّثة بالتوازي مع توغله البري الحالي، بحسب قراءات عسكرية إسرائيلية.
أما السبب الثاني، فهو تعمّد تل أبيب الغموض الممزوج بالتهديد؛ كوسيلة ضغط وترهيب للدولة اللبنانية عموماً و"حزب الله" خصوصاً.
بينما يكمن الدافع الثالث في تعامل الدوائر الأمنية الإسرائيلية مع العملية العسكرية في لبنان منذ 2 آذار/مارس الحالي، كما لو أنها مرحلة ضمن مهمة ميدانية طويلة، بمنحى تصاعدي قد تكون ذروته بعد الحرب على إيران، وفق ما تروّجه جهات عسكرية ومواقع أمنية في تل أبيب.
عمق 10 كيلومترات!
ولعلّ وسائل الإعلام العبرية، هي الأخرى منشغلة في ما ستحمله الأيام القادمة بشأن لبنان، حيث سألت مذيعة النشرة المسائية في التلفزيون العبري الرسمي عما إذا يتحضر الجيش الإسرائيلي لتوسيع عمليته البرية وتشديدها في لبنان، فأجاب مراسل الشؤون العسكرية بالجبهة الشمالية، أنه حسب المعطيات والخطط العسكرية الحالية، فإن الجيش يعمل في هذه المرحلة، بموجب ما يسميها "عمليات الدفاع"، وليس عمليات الهجوم والسيطرة على مساحات أكبر جنوبي لبنان.
ووفق توصيف "عمليات الدفاع" المزعومة، فإن المراسل الإسرائيلي نقل عن جهات عسكرية، أن القوات الإسرائيلية تهدف الآن إلى السيطرة على مناطق لبنانية تبعد عن الحدود مسافة تتراوح بين 7 و10 كيلومترات، ما يعني أن الاحتلال يخطط للتعمق في بعض النقاط اللبنانية مسافة 10 كيلومترات، وفي مناطق أخرى عند 7 كيلومترات، وهي مسافات يبدو أن الاحتلال يحددها بناء على الحاجة العملياتية والطبيعة الطبوغرافية واللوجستية.
خطة هجومية قيد التبلور؟
لكنّ هذا العمق بدا أنه مرتبط بخطة الاحتلال المعدة أساساً قبل الحرب، وهو ما دفع المراسل العسكري الإسرائيلي إلى القول في إفادته التلفزيونية، إن الجيش يعمل في لبنان حالياً ضمن خطط أولية، لكنه لم يستبعد أن تكون لديه "خطط مستقبلية" تكون هجومية أكثر، رغم تنويهه بأن الخطط الهجومية بالمعنى الشامل، ليست على طاولة المؤسسة العسكرية في تل أبيب الآن، وفق قوله.
في الموازاة، أشارت وسائل إعلام عبرية إلى أنّ إسرائيل تقصف حزب الله براً وجواً وبحراً، وأن الفرقتين العسكريتين 36 و91، تخوضان معارك مع حزب الله وجهاً لوجه، وأنها قصفت نحو 2000 موقع للحزب منذ بدء جولة القتال الحالية، قتلت خلالها أكثر من 570 من عناصر الحزب وقادته الميدانيين، حسب ادعائها.
10 نقاط.. تحت سيطرة الاحتلال؟
ورصدت "المدن" تقارير عبرية متخصصة في المجال العسكري، ذكرت أن الجيش الإسرائيلي يوسع العملية البرية للسيطرة على مواقع استراتيجية جديدة بلبنان، مشيرة إلى أنه كان يسيطر قبل هذه الحرب، على 5 نقاط (تلال) استراتيجية، وأنه بات يسيطر الآن بعد إطلاق عمليته الجديدة قبل 3 أسابيع، على أكثر من 10 نقاط في العمق اللبناني، مع العلم أن الاحتلال يقصد عادة بالنقاط الاستراتيجية، تلك المرتفعات التي تمنحه "أفضلية عسكرية" في "المبادرة" والتحكم والسيطرة، وسط ترويج قيادة جيش الاحتلال، بأن العملية مستمرة وقد تستغرق أشهراً إضافية.
ويبدو أن سرعة العملية البرية الإسرائيلية مرتبطة كذلك بمحاولة السيطرة على مزيد من النقاط المرتفعة والاستراتيجية، وعندها قد تتسارع وتيرتها أكثر!
في هذا الوقت، تجوّل مراسل القناة "13" العبرية برفقة قائد لواء إسرائيلي في العمق اللبناني، قائلاً إن عمليات الجيش الإسرائيلي تهدف إلى "خلق خط هادئ"، وكأنه خط جديد تريد إسرائيل رسمه بالنار، بحجة أنه "خط دفاعي" هادف إلى تأسيس واقع أمني وسياسي "أبدي"! ووفق ادعاء المراسل الإسرائيلي، فإن قوات الاحتلال تعثر على مزيد من البنى التحتية لحزب الله وأسلحة "كثيرة"، وتقوم بـ"تفكيكها".
خطة مركّبة.. بسياق جديد
والحالُ أن المراكز البحث الأمنية في إسرائيل، ترى في ما يجري أكثر من "مجرد فرصة" لإلحاق "ضرر" كبير بحزب الله وقدراته "المتبقية"، بل بوصفه أيضاً "فرصة" لواقع أمني وسياسي جديد في عموم المنطقة، ورأى مقال لمعهد دراسات "الأمن القومي"، أن السياق الحالي يوفر "فرصة استراتيجية" لتغيير كبير في وضع المنطقة، بما يتجاوز الإنجازات العسكرية المباشرة. وهنا استذكر المعهد الإسرائيلي مثلاً مفاده "لا يمكنك دخول نفس النهر مرتين"، للزعم بأن الوضع الجديد أكثر من مجرد استمرار لحرب 2024 من حيث توقفت، أو مجرد فرصة لاستكمال نزع سلاح حزب الله في حملة عسكرية، وإنما هو "سياق جديد وفريد.. يجسد فرصاً جديدة"، ما يتطلب مقاربةً وخطة مُغايِرة وطريقة عمل مختلفة، بمنظور المعهد البحثي الأمني في تل أبيب.
ويُمكن الاستنتاج من ذلك، أن خطة إسرائيل هي مركّبة، تقوم على السعي إلى إحداث "صدمة كبيرة" داخل لبنان، عبر تشديد الهجمات جواً وبراً وبحراً، وإرهاق الشعب اللبناني وترهيبه وتفكيكه عبر حرب طويلة، بموازاة خلط مزيد من الأوراق، لمحاولة الدفع نحو واقع "مختلف" أمنياً واستراتيجياً وسياسياً.
بيدَ أن التصريحات العسكرية والسياسية الإسرائيلية، تشدد على أنه لا يُمكن حسم أمر حزب الله، من دون "النجاح" في حسم إيران أيضاً، وهو ما يعني أن تل أبيب تقرّ في أروقتها الأمنية الضيقة، أن تحقيق أهدافها في لبنان والمنطقة، مرهونة بنتيجة ومآلات الحرب على إيران!