"العمود الفقري" يتصدع.. تآكل صامت في الكادر الوسيط لـ"حزب الله"

تكشف مصادر لبنانية مطلعة، بينها شخصيات قريبة من حزب الله، عن أزمة صامتة تتفاقم داخل البنية التنظيمية للحزب، لا تتعلق بالقيادة العليا ولا بالقاعدة القتالية المباشرة، بل بما يُعرف داخليا بـ"الكادر الوسيط".

هذا المستوى، الذي يشكل حلقة الوصل بين القرار المركزي والتنفيذ الميداني والاجتماعي، بات اليوم تحت ضغط غير مسبوق، في ظل حرب مفتوحة بلا أفق زمني واضح، وكلفة متراكمة لا يجري الإعلان عنها.

وتصف المصادر في حديثها لـ "إرم نيوز"هذه الأزمة بأنها "إرهاق بنيوي"، ناتج عن تراكم أدوار ومسؤوليات لم يعد بالإمكان فصلها أو تخفيفها، في مرحلة تتطلب من الحزب إدارة المواجهة مع إسرائيل، وضبط البيئة الداخلية، والحفاظ على الانضباط التنظيمي في آن واحد. 

من هم "الكادر الوسيط" ولماذا هم الأهم؟
يضم الكادر الوسيط قادة مجموعات ميدانية، مسؤولي قطاعات مناطقية، ومشرفين تنظيميين واجتماعيين. هم ليسوا جزءا من القيادة الاستراتيجية التي تخطط، ولا من العناصر المقاتلة التي تنفذ فقط، بل الفئة التي تتحمل العبء اليومي، من قبيل ترجمة القرار إلى فعل، وامتصاص نتائجه داخل المجتمع.

بحسب مصادر قريبة من الحزب، فإن هذه الفئة باتت تتحمل أعباء مركبة. فإلى جانب الدور العسكري أو الأمني، يُطلب منها إدارة شؤون عائلات القتلى والجرحى، ضبط المزاج الشعبي في القرى والضواحي، معالجة التململ الصامت، وتقديم تفسيرات "مقنعة" لمرحلة لا يمكن توصيفها كنصر ولا كهزيمة.

وتقول المصادر إن المشكلة لا تكمن في نقص الولاء أو الانضباط، بل في استنزاف طويل الأمد، حيث تحول الكادر الوسيط إلى "خط الدفاع الأول" في مواجهة الأسئلة الصعبة التي لم يعد الخطاب التعبوي التقليدي كافيا للإجابة عنها.

كلفة الحرب اليومية.. بلا أفق ولا ذروة
منذ اندلاع المواجهات الأخيرة على الجبهة الجنوبية، دخل حزب الله في نمط حرب منخفضة الوتيرة، لكن عالية الكلفة. هذا النمط، وفق تقديرات أمنية لبنانية، أكثر إنهاكا تنظيميا من الحروب القصيرة والحاسمة، لأنه يفرض حالة استنفار دائم بلا ذروة واضحة يمكن البناء عليها تعبويا.

وتشير المصادر إلى أن الكادر الوسيط هو الأكثر تأثرا بهذا الواقع. فهؤلاء يعيشون الحرب يوميا، من دون أن يمتلكوا ترف المسافة التي تتمتع بها القيادة العليا، ولا وضوح المهمة المحدودة التي يعرفها المقاتل في الميدان. هم في المنتصف، حيث تتراكم الضغوط من الأعلى والأسفل معا.

في هذا السياق، لوحظ خلال الأشهر الماضية تراجع في وتيرة بعض الأنشطة التنظيمية غير العسكرية، ودمج وحدات إشرافية في مناطق محددة، في محاولة لتخفيف الضغط البشري. غير أن المصادر تصف هذه الخطوات بأنها "إدارة للأزمة لا حلا لها"، إذ لا تعالج جوهر المشكلة المتمثل في استنزاف الكادر نفسه. 

إخفاء الكلفة بدل إعلانها
تلفت مصادر قريبة من الحزب إلى تحوّل لافت في طريقة إدارة الخسائر. فبدل تضخيم التضحيات كما في مراحل سابقة، يجري اليوم اعتماد سياسة أكثر تحفظا؛ تشييعات أقل صخبا في بعض المناطق، تأخير الإعلان عن أسماء قتلى، أو دمج أخبار الخسائر في سياقات أوسع.

هذا التحول، بحسب المصادر، هدفه الأساسي حماية البيئة من الصدمة المتراكمة، لكنه يضع الكادر الوسيط في موقع صعب. فهؤلاء مطالبون بتبرير الصمت بقدر ما كانوا سابقا مطالبين بتسويق الخطاب العالي السقف. وبين الصمت والتبرير، تتسع فجوة الإرهاق.

وتشير معلومات خاصة إلى تسجيل حالات طلب "إعفاء مؤقت" من مهام تنظيمية غير قتالية، أو إعادة توزيع أدوار داخل بعض القطاعات الحساسة، في مؤشر نادر داخل تنظيم شديد الانضباط مثل حزب الله. ورغم أن القيادة تتعامل مع هذه الحالات بهدوء ومن دون عقوبات، إلا أن تكرارها بدأ يلفت الانتباه داخل الدوائر التنظيمية.

ما الذي يخشاه الحزب فعليا؟
وفق تقديرات باحثين لبنانيين، يدرك حزب الله أن أي تآكل في الكادر الوسيط أخطر على المدى المتوسط من خسارة سلاح أو موقع. فهذا المستوى هو الذي يضمن تماسك التنظيم، واستمرارية السيطرة الاجتماعية، ومنع انتقال التململ من الحالة الفردية إلى المزاج العام.

لهذا السبب، ترجح المصادر أن الحزب سيذهب في المرحلة المقبلة إلى مزيد من ضبط الإيقاع الداخلي، وتخفيف الاحتكاك السياسي والاجتماعي، وتجنّب أي تصعيد داخلي قد يفتح جبهة إضافية لا يحتملها.

لكن السؤال المفتوح، بحسب هذه المصادر، هو ما إذا كانت هذه الإجراءات كافية لمعالجة أزمة كبيرة لا تُقاس بالأرقام، بل بقدرة الكادر على الاستمرار في حمل عبء مرحلة طويلة ومعقدة. 

في المحصلة، تختم المصادر، بأن أزمة الكادر الوسيط داخل حزب الله لا تبدو مسألة عابرة أو تقنية، بل مؤشرا حساسا على حدود الاستنزاف في حرب بلا نهاية واضحة. أزمة تُدار بصمت، لكن آثارها، قد تكون من بين أخطر التحديات التي يواجهها الحزب في المرحلة المقبلة.