العهد الرئاسيّ والحكومة حقّقا في سنة بعض "المستحيلات"

فجأة، صار بعض المستحيل ممكناً ومعقولاً في السنة الأولى من عهد الرئيس جوزف عون، وتحقّق ما لم يكن في المقدور التلفّظ به أو البوح بقرار رسميّ حياله في سنوات سابقة. حالف الطالع الإقليميّ رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة نواف سلام بجلوس كلّ منهما على كرسي حكم، بعدما انكفاء محور "الممانعة" في لبنان والمنطقة وخلع نظام بشار الأسد في سوريا. لكنّ عون وسلام أقدما حيث لم يكن آخرون يجرؤون، رغم أنهما تعرّضا لمحاولات تخويف.


وكانت بداية القرارات التي شكّلت تطوّراً نوعيّاً في شباط /فبراير 2025 بتوقيف مناصرين لـ"حزب الله" اعتدوا على موكب "اليونيفيل" على طريق مطار الرئيس رفيق الحريري الدوليّ، والتصدّي لفرض "أمر واقع" بعد إقفال الطريق احتجاجاً على عدم استقبال رحلتين لشركة طيران إيرانية. ورغم أنّ توقيفات حصلت في سنوات سابقة لعناصر من "حزب الله"، فقد كانت توقيفات هزيلة لأنّ الحزب كان مهيمنا على قرار الدولة.

إقليمياً، تفاءلت المملكة العربية السعودية بالعهد الرئاسيّ مع انتخاب عون، ما شكّل تحوّلاً بعد سنوات من "القحط السياسيّ اللبنانيّ" بسبب ابتعاد الدولة اللبنانية عن العرب. استقبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الديوان الملكي في قصر اليمامة، رئيس الجمهورية في 3 آذار/ مارس 2025. بعدئذ، برزت تدابير غير مسبوقة في السعودية مع أي رئيس حكومة باستثناء الرئيس الشهيد رفيق الحريري، خلال زيارة الرئيس نواف سلام في 30 آذار، إذ شارك في أداء صلاة عيد الفطر إلى جانب وليّ العهد السعوديّ. وتطوّر الانفتاح السعوديّ إلى مشاركة لجنة سعودية في أول مؤتمر استثماري في العهد الرئاسي اللبنانيّ في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، ما شكّل عودة سعودية للاستثمار بعد غياب استثماريّ وتقنين المساعدات. وكانت الاستثمارات والمساعدات السعودية للبنان قد بدأت تتراجع منذ عام 2016، بما فيها إيقاف مساعدات مقرّرة للجيش اللبناني وقدرها ثلاثة مليارات دولار، وما تبقى من مساعدة لقوى الأمن الداخلي بعد مواقف لبنانية مناهضة للمملكة العربية السعودية في مرحلة السيطرة الكاملة لـ"حزب الله" على الدولة.

القرار الأقوى الذي لم يسبق أن صدر عن أي حكومة سابقة اتّخذ في آب/ أغسطس 2025 بإقرار بند حصر السلاح ضمن أهداف الورقة الأميركيّة وموافقة مجلس الوزراء على الأهداف الواردة في مقدمة الورقة الأميركية بعد إدخال تعديلات اقترحها الجانب اللبناني. وافق مجلس الوزراء على إنهاء الوجود المسلّح على كامل الأراضي اللبنانية بما في ذلك سلاح "حزب الله"، وعلى نشر الجيش اللبناني في المناطق الحدودية. ورغم التحديات التي لا تزال تبطئ تنفيذ مهمة حصر السلاح على مستوى كلّ المناطق اللبنانية، بدا القرار تاريخيّا. وعلى المستوى التنفيذي، سُجّل تقدّم في المهمة في منطقة جنوب الليطاني.

توضيب السلاح الخارج عن سلطة الدولة اللبنانية، حصل أيضاً على مدى أشهر مع تسلم الجيش اللبناني سلاحاً ثقيلاً من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية. ثم صدر عن لجنة الحوار اللبناني - الفسلطيني في 30 كانون الأول/ديسمبر 2025 أن المرحلة الخامسة من عملية تسليم السلاح داخل المخيمات الفلسطينية استكملت. وبحسب اللجنة، يأتي هذا المسار استناداً إلى ثوابت الدولة اللبنانية. ورغم أن حركة "حماس" في لبنان وفصائل أخرى لم توافق على تسليم سلاحها، شكّل تسليم سلاح فصائل منظمة التحرير الثقيل، تطوّراً لم يسبق أن حصل مع أي حكومة لبنانية في فترات سابقة.

في الإصلاحات المالية، أقرّ مجلس الوزراء مشروع قانون الانتظام المالي واسترجاع الودائع في كانون الأول 2025. الانتقادات التي طالت المشروع لا تقلّل من التطوّر الذي حصل بإقراره، لأنّها المرة الأولى يوضع إطار قانونيّ لاستعادة حقوق المودعين ومساءلة من حوّل أمواله قبل الانهيار المالي عام 2019 وحصل على أرباح أو مكافآت من الهندسات المالية السابقة.

في المحصلة، حقّق العهد الرئاسي وحكومته الأولى في سنة، ما لم يكن في مقدور أي عهد أو حكومة سابقة تحقيقه بسهولة في مضامير ومجالات عدّة متنوعة، رغم أنه لا يزال هناك أهداف ومهمات جمّة من الأولوية تنفيذها.