"القرض الحسن" ممرٌ نحو اللائحة السوداء

مع اقتراب موعد اجتماع باريس لمجموعة العمل المالي الدولية (FATF)، في منتصف حزيران الجاري، سيكون الملف اللبناني تحت مجهر أعضاء المجموعة الذين سيراجعون الخطوات التي أنجزتها السلطات اللبنانية حتى اليوم منذ إدراج لبنان على اللائحة الرمادية في تشرين الاول العام 2024. وفي حينه، جرى تزويد بيروت بلائحة مفصّلة عن نقاط الضعف التي يعانيها النظام المالي، وخريطة طريق للخروج من المنطقة الرمادية. مع التحذير من احتمال الانتقال الى اللائحة السوداء في حال المراوحة في تطبيق ما هو مطلوب.

استبقت الحكومة اجتماع باريس بسلسلة اجتماعات عقدها رئيس الحكومة نواف سلام لمتابعة الاجراءات التي أنجزتها الجهات المختصة في الدولة. وقد تبين ان قسماً من الشروط تمّت تلبيتها، جزئياً على الأقل، وأن هناك نقاطاً اضافية تحتاج الى معالجة.

في كل الأحوال، لن يكون اجتماع باريس حاسماً، وفق المؤشرات المتاحة حتى اليوم. بمعنى أن لا خطر من إدراج لبنان في هذا الاجتماع على اللائحة السوداء، ولكن لا توجد معطيات تسمح بالادعاء ان مجموعة العمل قد ترفع اسم لبنان عن اللائحة الرمادية. ويبدو ان الاحتمال الأفضل الذي يمكن أن تأمل به الحكومة اللبنانية، هو أن يصدر بيان مُشجّع من قبل المجموعة الدولية تشير فيه الى انجازات تحققت في مسار معالجة الثغرات، ولكنها غير كافية، بانتظار استكمال هذا المسار، والذي سيناقش مجددا في اجتماعات المجموعة في الخريف المقبل.

القرض الحسن

من بين النقاط الساخنة، والتي تشكّل محطة بين خروج لبنان من اللائحة الرمادية، او انتقاله الى اللائحة السوداء في المستقبل، تلك المتعلقة بمصير جمعية "القرض الحسن". وقد أُعطيت الحكومة مهلة طويلة منذ خريف الـ2024، لكنها لا تزال عاجزة عن اتخاذ قرار حاسم حيال هذه الجمعية غير الشرعية، التي تمارس من خارج القانون أعمالاً مالية وائتمانية ومصرفية من دون اي نوع من انواع الرقابة. وسبق لمصرف لبنان أن اتخذ خطوات عملية ضد الجمعية من خلال التعاميم والقرارات التي أصدرها، والتي تحظّر على المؤسسات المالية والمصارف وكل المؤسسات التي تنضوي تحت رقابة قانون النقد والتسليف، من التعاون او التعاطي مع هذه الجمعية. وهذا ما يفسّر ربما حملة التصعيد التي قام بها مسؤولو حزب الله، وآخرها كلام أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، بهدف ترهيب الحكومة، ومنعها من الاقدام على خطوة اقفال هذه الجمعية.

في الاحتمالات، سيجتاز لبنان قطوع اجتماع حزيران الجاري، لكنه قد لا يجتاز امتحان الخريف المقبل، اذا استمرت الحكومة في السياسة الرمادية التي تنتهجها حيال جمعية غير شرعية تمارس اعمالها من خارج النظام ومن خارج الرقابة. واذا كانت الحكومة تجرأت على اتخاذ القرار الأصعب في اعتبار سلاح حزب الله خارج على القانون، فمن باب الأولى أن تحسم أمرها وتصدر قرارا واضحا باعتبار "القرض الحسن" غير قانوني. وتنبغي تصفية هذه الجمعية مع الأخذ في الاعتبار امكانية حماية حقوق الناس الذين تعاملوا معها. هذه الخطوة يجب أن تتم في اسرع وقت ممكن، لأن المهلة الزمنية التي تفصلنا عن تشرين المقبل لا تزيد عن 3 أو 4 أشهر، وبالتالي، هناك حاجة للتحرّك منذ اليوم، لانجاز عملية اقفال هذه الجمعية، والذهاب الى اجتماعات FATF الخريفية بانجاز واضح، الى جانب الاجراءات المتبقية، لكي يرتفع منسوب الامل بالخروج من اللائحة الرمادية، أو على الأقل لكي نضمن عدم الانزلاق الى اللائحة السوداء، لأن بند "تحسين فعالية تطبيق العقوبات المالية المرتبطة بتمويل الإرهاب"، هو من أهم البنود المطلوبة دولياً. ومع استمرارية "القرض الحسن"، لا يمكن الادعاء بأن الدولة طبقت هذا البند.