القصة الحقيقية لأغنية "سلملي عليه"... هل حقاً كتبتها فيروز لابنها هلي الرحباني؟

منذ وفاة هلي الرحباني، عادت أغنية "سلّملي عليه" للسيدة فيروز إلى صدارة مواقع التواصل الاجتماعي، كأنّ الحداد أعاد فتح أرشيف الذاكرة الجماعية. لكنّ العودة لم تخلُ من انعدام الدقة واستغلال "الترند".


عناوين عريضة تُغري بكشف "القصة الحقيقية" للأغنية، وسرديات جاهزة تنتشر بلا تدقيق، تكفي معها جولة سريعة على تعليقات "يوتيوب" لاكتشاف حجم الالتباس الثقافي: "مين جاي بعد ما هلي مات؟"، "هي الأغنية الوحيدة اللي كتبتها الست فيروز"، "فيروز هي صاحبة الكلمات وكتبتها لابنها"، أو "الأغنية ليست موجّهة إلى حبيب بل إلى ابنها المريض". روايات متناقضة، غذّاها العالم الافتراضي، حتى باتت تُقدَّم كحقائق، وتُستهلك بوصفها تفسيراً نهائياً لأغنية بلغت السادسة والعشرين بلا هذا الاختزال.

فيروز، زياد، و"سلّملي عليه"
في الأسبوع الأخير من أيار/مايو 1999، طرحت السيدة فيروز ألبوم "مش كاين هيك تكون" بتوقيع ابنها وشريكها الفنّي آنذاك زياد الرحباني. أرادت من خلاله أن تعبر ألفيّةً شهدت بزوغ نجمها وتوهّج نورها، لتدخل والإرث الممتدّ على نحو نصف قرن - أو أقلّ بقليل - الألفيّةً الثالثة، بروح عصريّة متجدّدة، وبروح المغامرة نفسها التي دفعت بها مع الأخوين رحباني نحو خطّ موسيقي حداثي في الخمسينيّات.

 
الأغنية الأولى في الشريط كانت "سلّملي عليه"، وتقول فيها فيروز: "إنتَ يلّي بتفهم عليه، سلّملي عليه"، أي "أنتَ الذي يفهمه، بلّغه سلامي". وتتابع: "مدري شو بو، وبعرف شو بو" (أحتار في أمره، وأعرف ما به). ثم "هيدا حبيبي اللي إسمي بيهمسو، تعبان على سكوتو ودارسو" (ذاك حبيبي الذي يهمس باسمي، تعلّم صمته ودرسه حتى احترفه)؛ و"واضح شو بو، ما تقول شو بو، اعمل حالك مش عارف" (أمره واضح، لا تسأل عمّا به، تظاهر بأنّك تعلم).

هذه العبارات ربّما كانت هي التي فتحت الباب أمام فرضية "السوشيل ميديا": أن تكون الأغنية كُتبت لهلي، أو على الأقل لشخصٍ تحبّه فيروز حباً خارج القوالب المألوفة، حبّ من يعرف ما بحبيبه حقّ المعرفة، ويتقبّل صمته، مهما طال وأبعده. وهلي الذي أُصيب باليرقان (الصفيرة) عند ولادته داخل المستشفى، والتي تحوّلت لاحقاً إلى التهاب السحايا، منعه المرض من المشي بعد إصابة حوضه. أمّا إدراكه، فكان يتشكّل تدريجاً، بالتكرار والتراكم، وكان واعياً لما يدور حوله، بطريقته الخاصة.

ريما الرحباني تنفي القصة
في منشور على "فايسبوك" بتاريخ 1 تشرين الأول/أكتوبر 2023، نفت ريما الرحباني، ابنة السيدة فيروز، أن تكون الأُغنية قد كُتبت لشقيقها، قائلة: "الأغنية لم تُكتب لهلي، كما ادّعت بعض المواقع سعياً إلى الإيحاء بقربها من زياد، في حين أنّ هذا الادّعاء نفسه يفضح مسافة حقيقية عنه، إذ إنّ زياد لا يُمكن أن يُتاجر بأخيه".

كيف كتب زياد "سلّملي عليه"؟
لا شكّ بأن للأغنية مكانة خاصة لدى فيروز، وقد أدخلتها "الريبيرتوار" المُغنّى على المسرح. وفي مقابلة لزياد الرحباني مع الإعلامي أمين ناصر، يُخبر أنّ "سلّملي عليه" كتبها عام 1997 "عندما كان يتعالح من إدمان الكحول في الطبقة الثامنة من المستشفى"، ويروي أنّ فيروز أحبّت الأغنية وبالأخص "عودوا تبقوا عيدوا الكوبليه" (أعيدوا ترديد المقطع) حتى أنّها لم تستشر أحداً خلافاً لما فعلت مع أغنية "كيفك إنت" في عام 1999.

شكّل ألبوم "مش كاين هيك تكون" لحظة مفصلية في مسيرة فيروز، بوصفه اختباراً واعياً لعلاقتها بزمنٍ يتغيّر وذائقةٍ تتغيّر. وجاء التعاون مع زياد الرحباني امتداداً لمغامرة فنية بدأت قبل ذلك بسنوات، لكنه في هذا الألبوم بلغ منطقة أكثر حساسية: منطقة كسر التوقّعات، ومساءلة الصورة المتخيَّلة لفيروز. وداخل هذا السياق، جاءت أغنية "سلّملي عليه" واحدة من أكثر محطّات الألبوم التباساً وتأويلاً لأنّها كُتبت بلغة تحتمل القرب والغياب في آن، وتترك المعنى مفتوحاً على علاقة لا تُسمّى.

فيروز دخلت الألفية الثالثة من موقع الفنانة التي تسمح لنفسها بأن تُجرّب، وأن تُنصت إلى كلمات بسيطة في ظاهرها، ممتنعة في دلالتها، وأن تغنّي شعوراً لا يطلب التبرير. صارت الأغنية مساحة اعتراف هادئ، وصار الصوت أداة مواجهة ناعمة مع ما هو إنساني، هشّ، وغير مكتمل. ومن هذا التوتّر بالذات، وُلد الجدل الذي لا يزال يرافق "سلّملي عليه": أغنية لا تقول كلّ شيء، لكنها ترفض أيضاً أن تُختصر في حكاية جاهزة، أو أن تُستعمل بوصفها مفتاحاً قسرياً لسيرة شخصية.