المصدر: النهار
الكاتب: رولان خاطر
السبت 28 آذار 2026 17:32:48
تخالها قصة من قصص التاريخ، تلك القلعة التي يربض فيها "إمبراطور" ليديرَ شؤون مدنه.
هكذا تشعر لدى وصولك إلى القليعة الجنوبية. قلعة تقع جغرافياً بين نارين. يربض فيها المسيحيون الموارنة في حكم شبه ذاتي لولا وجود بعض مشاهد الدولة الخجولة، على أهميتها، وعناصر الجيش اللبناني الذين يجلسون وراء مكعبات باطون ضخمة في ثكنة يتيمة.
من ساحة الشهداء وسط بيروت، من على مقربة من مبنى "النهار"، انطلق موكب السفير البابوي في لبنان باولو بورجيا الذي يقوم بجولات تضامنية، لا سيما في القرى الحدودية في الجنوب، موفداً من قداسة البابا لاون الرابع عشر، حاملاً رسائل الحوار والسلام ومتابعة لأوضاع المسيحيين، في ظل الحرب الدائرة.
رافق القاصد الرسولي في الموكب رئيس رابطة كاريتاس لبنان الأب سمير غاوي وعدد من الصحافيين المحليين والأجانب، وخصوصاً الفرنسيين، إلى منظّم هذه المبادرات ومجموعته Vincent Gelot، وهو صاحب منظمة Oeuvre D’Orient التي تعنى بمساعدة مسيحيي الشرق أينما وجدوا. إضافة إلى قوة صغيرة من مخابرات الجيش. وسبق موكب السفير البابوي، موكب آخر من شاحنات المحروقات والمواد الغذائية، التي قُدمت، بحسب معلومات "النهار" بدعم مالي من الجيش الفرنسي بالتعاون مع السفارة الفرنسية في لبنان.
سار موكبنا نحو المصنع، ومنه إلى الجنوب. المحطة الأولى، كانت في بلدة كوكبا، "عين المسيح العجائبية"، المواجِهة لجبل الشيخ، التي "أخرج المسيح من أرضها ماءً وصلّى في بساتينها" كما تقول الرواية التاريخية. كان اللقاء للتأكيد على إبقاء قضية مسيحيي الجنوب حيّة في قلب قداسة البابا وعقله، واستمرار تقديم المساعدات طالما الطرق متاحة، ولو تحت النار. رفع الأهالي صرختهم، ولكن رغم المعاناة، كانت تتردد عبارة واحدة لدى الجميع، "ثابتون في هذه الأرض". "زيارة السفير البابوي تعني لنا الكثير، فالمياه مقطوعة، والانترنت أيضاً وهناك شح في المواد الغذائية، وبالتالي "متل ما الله بريد، بدنا سلام والله يفرجها".
من كوكبا، تحدث السفير البابوي لـ"النهار" عن أن الفاتيكان يسعى لدعم السكان الموجودين قدر الإمكان من خلال الكنيسة المحلية وأيضاً الكنيسة الجامعة. ورداً على سؤال عما اذا كان هذا الدعم الاجتماعي يكفي لتأمين الحماية لمسيحيي الجنوب، أجاب باولو بورجيا: "في مثل هذه الظروف يجب أن تُنجز الأمور يوماً بيوم".
المحطة الثانية من الجولة كانت في مرجعيون، التي تضم في نسيجها مذاهب مختلفة مسيحية وإسلامية. تجمعوا في مدرسة البلدة، رغم غزارة المطر، وتحدثوا عن مسيرة امتدت من الحرب الأهلية إلى فترة وجود الاحتلال الإسرائيلي وصولاً إلى اليوم، والخوف من الغد. طالبوا الدولة برعايتها لهم والاهتمام بهم، وأكدوا "باقون تحت النار ولن نرحل".
أما المحطة الثالثة، فكانت في بلدة القليعة الأبيّة، القلعة الصامدة. كان الموارنة بالانتظار. كانوا كثراً. قُرعت الأجراس ترحيباً، بالصوت الصارخ في برية الحرب. مع القاصد الرسولي، رفعوا الصلوات على نيّة السلام، والسلام لا يعني الرحيل، بل يعني البقاء أحياء في الأرض، وأحياء في الإيمان، وأحياء لرفض التهجير.
القليعة والقرى الحدودية بين نارين، النار الإسرائيلية ونار "حزب الله". يتحدث الأهالي إلى "النهار" عن واقع حياتهم اليومي. إذا مرّ وقت لا يسمعون فيه القصف والضرب يستغربون. "يجب أن تنتهي الأوجاع"، يردّدون. يتحسرون، "العالم وصل إلى القمر ونحن إلى الملاجئ"، لكننا "نصمد ونقاوم، وهذه هي المقاومة الحقيقية، أن نبقى أحياء رغم قلّة الماء والغذاء ومتطلبات الحياة الطبيعية. نحن لا نفرح كما الآخرين، لكننا لا نُهزم. نحن لا نعيش حياة طبيعية كما الآخرين، لكن إيماننا كبير وينمو تحت ضربات جلاّدينا وإكليل الشوك الذي وُضع على رؤوسنا. "يسوانا ما يسوا المسيح". نبقى أحياء بإيمان أننا أصحاب هذه الأرض وأصحاب قضية، أبينا المغادرة وسنُدفن هنا. أحياء لأن المسيح فينا ومعنا".
"لا يخيفنا "حزب الله"، لا نخاف إلاّ من الرب الإله وقدرته، لذلك نحن نعتمد عليه ونستمر في القليعة". بهذه العبارة اختصر لـ"النهار" رئيس بلدية القليعة حنا ضاهر نبض الأهالي والشباب هناك، مؤكداً في الوقت نفسه أن "أحداً لا يريد التقاتل مع "الحزب"، جل ما نريده أن "يحيد" عنا ولا نريد مشاكل معه. لكن الخوف يبقى من القنابل والصواريخ التي تسقط". وأبدى رهاناً على زيارة السفير البابوي المتكررة لقرى الجنوب الحدودية.
الشباب والشابات والأطفال في القليعة والقرى الحدودية لا يعيشون كمن يعيش أبناء مناطق أخرى. لديهم حسّ وطني ملفت وغريب، وشعور بالثقة بالرب وبالأرض وبمسؤوليتهم تجاه أهلهم في القرى. قوة غريبة تراها عند هذه الفئة العمرية. يواظبون على إعطاء حيوية للحياة اليومية، يقدمون المساعدة والدعم لأهلهم ولبعضهم البعض. "نبقى في هذه الأرض لأنو بدنا نحميها"، هكذا يقولون.
وكما كوبا ومرجعيون، يناشد أهالي القليعة الدولة لـ"أن تضع الفأس على كل شجرة غير مثمرة، فـ"تُقطع وتُلقى في النار".
"قد ما يصير باقيين هون". هو المشترك بين القرى الحدودية. وجع من دون خوف. قهر وعذاب من دون تراجع أو انكسار أو استسلام. و"جودنا أبقى الجنوب في الأمس، ووجودنا سيبقيه مع كل غد آتٍ مدموغاً على الخريطة اللبنانية. هكذا كانت المعادلة، ويبدو أنها هكذا ستبقى. وهكذا كانت رسالتنا، وهكذا ستبقى".
"نعيش رتبة الصليب، هذه هي المعادلة اليوم"، تقول القليعة، "لكن، وعلى أعتاب عيد الفصح المجيد، نردّد مع المسيح الحي، "قيامتنا آتية مهما تأخرت".