المرشد "أغلى من لبنان"

"إذا كانت الضربات الأميركية لإيران محدودة، فموقف حزب اللّه هو عدم التدخل عسكريًا. لكن إن كان هدفها إسقاط النظام الإيراني أو استهداف شخص المرشد، فالحزب سيتدخل حينها".

هذا الموقف الحرفي لمسؤول في "حزب اللّه" لوكالة الصحافة الفرنسية، يثير الاستهجان. منذ السابع والعشرين من تشرين الثاني من العام 2024، تعرّض لبنان لعشرات الضربات الإسرائيلية، وسقط العشرات من "حزب اللّه"، بين مسؤولين عسكريين وعناصر عادية، ولم يحرّك "الحزب" ساكنًا أو يردّ، "لكنه سيتدخل إذا استُهدف شخص المرشد". 

إنها إشكالية سياسية وأخلاقية عميقة. فالمعادلة التي يفهمها كثيرون من هذا التصريح توحي بأن حماية مرجعية خارج الحدود تتقدّم على حماية الوطن نفسه، وهو ما يفتح باب التساؤلات حول طبيعة الأولويات وحدود الانتماء.

في أي سياق وطني طبيعي، يُفترض أن تكون سيادة الدولة وسلامة أراضيها وأمن شعبها هي البوصلة العليا لأي تنظيم سياسي أو عسكري يعمل ضمنها. أمّا ربط قرار الحرب والسلم بشخصية سياسية خارجية، مهما بلغت رمزيتها الدينية أو الاستراتيجية، فإنه يعطي انطباعًا بأن معيار التحرك ليس وطنيًا خالصًا، بل يتجاوز الحدود ليقع ضمن شبكة تحالفات إقليمية أوسع. وهنا يكمن جوهر النقد: هل يُعقل أن يُختزل معيار التدخل في استهداف شخصية غير لبنانية، فيما يبقى استهداف الدولة اللبنانية خاضعًا لحسابات مختلفة؟

هذا التباين يضع "الحزب" أمام معضلة داخلية. فشريحة واسعة من اللبنانيين، حتى ممن يتفهّمون منطق "محور الممانعة"، تتوقع أن يكون الدفاع عن لبنان أولوية غير قابلة للمساومة. عندما يبدو الخطاب وكأنه يساوي بين أمن دولة ذات سيادة وأمن شخصية سياسية خارجها، أو حتى يقدّم الثاني على الأول، فإن ذلك يعمّق الانقسام الداخلي ويغذي شعورًا بأن القرار الاستراتيجي في الخارج ومن الخارج.

إضافة إلى ذلك، فإن هذا الموقف يعقد علاقة "الحزب" بمفهوم الدولة. فالدولة، من حيث المبدأ، تحتكر قرار الحرب وتحدّد متى ولماذا تدخل في نزاع. أما إعلان الاستعداد للتحرك العسكري وفق معيار يرتبط باستهداف شخصية خارجية، فيعزز الانطباع ويؤكد المؤكد أن قرار "الحزب" من الخارج.

لا يمكن تجاهل البعد العقائدي في خطاب "الحزب"، ولا شبكة التحالفات التي نشأت خلال العقود الماضية. لكن النقد هنا لا ينطلق من خصومة سياسية بقدر ما يستند إلى سؤال بسيط: إذا كان الدم اللبناني والسيادة اللبنانية لا يشكلان الخط الأحمر الأول، فكيف يمكن إقناع اللبنانيين بأن سلاح "الحزب" وقراره العسكري وُجدا أساسًا لحماية لبنان؟

إن أي تنظيم يطمح إلى شرعية وطنية عابرة للطوائف يحتاج إلى وضوح لا لبس فيه: أولوية لبنان فوق كلّ اعتبار. دون ذلك، ستبقى مثل هذه التصريحات عبئًا سياسيًا وأخلاقيًا، وتبقى الشكوك قائمة حول ما إذا كانت المعركة، حين تقع، ستُخاض من أجل الوطن أم من أجل الخارج؟