المصدر: النهار
الكاتب: نبيل بومنصف
الأربعاء 13 أيار 2026 07:26:21
لا تؤخذ "لهفة" أحد الصقور في "حزب الله" محمد قماطي، على صلاحيات الشريك الحليف رئيس مجلس النواب وحركة "أمل" نبيه بري وموقعه، إلى حدود توجيه انتقاد صارخ إلى رئيس الجمهورية بمثابة تحذير وربما تهديد من تجاوزه في ملف المفاوضات مع أميركا وإسرائيل، كأنها تفلت نزق متطرف، على ما درج بعض السذّج دوما في مقارباتهم لهذا الطراز من نمطية الحزب في نهج الترهيب السياسي.
فثمة رموز لدى الحزب صنفوا تصنيفا متقنا في خانة إطلاق المواقف الحمالة الأوجه، التي تحتمل ذروة الشيء وذروة التخفف منه حين تستدعي الحاجة. وفي الحال الراهنة، ليس من أيّ مسبب منطقي يستدعي الخفيف أو التقليل أو الالتفاف على الهجمات المنهجية التي يسددها الحزب إلى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، لئلا يفاجأ السذّج أو الذين لا يأخذون بعبر التجارب، بأن المجال لا يزال واسعا جدا أمام أهداف مضمرة للحزب، وهي الأهداف التي تقبع وراء تصعيده السياسي المفتوح ضد رأسي السلطة التنفيذية، أسوة بما يصوره في المواجهة الميدانية المتصاعدة بينه وبين الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان.
والحال أن ما رسم معالم التحريض المكشوف على اشتباك سياسي حاد بين رئاستي الجمهورية والمجلس في آخر تقليعات الحزب، بات يكشف ما يتجاوز اصطناع الغيرة على موقع الممثل الرسمي الأول للطائفة والشريك الأبدي للحزب في منظومة الثنائية الشيعية الحاكمة المطلقة حتى إشعار آخر لعموم الطائفة، لأن احتكار البعد المذهبي هو من باب تحصيل الحاصل، أقله بعد التمديد للبرلمان الحالي وحتى نهاية ولايته الممدة. أما "المطلوب العاجل"، على ما تنضح الحملات المتناسلة للحزب تارة ضد الرئيس جوزف عون وطورا ضد الرئيس نواف سلام، وأبدا ودوما في البيئة الصحافية والإعلامية اللصيقة أو المباشرة للحزب ضد شعار الحقيقة الجارحة التي تعري "حروب الآخرين على أرض لبنان"... المطلوب العاجل هذا يتلخص بافتعال أزمة نظام مهما كلف الثمن، قبل الانكشاف الكامل الكارثي لما خلفته حرب إسناد ايران على بيئة الثنائي والطائفة أولا ولبنان تاليا من زلازل وتداعيات وهزائم وخسائر مرعبة.
تستدعي أزمة النظام، في قاعدتها الأساسية، أن تتحول الأزمة الصامتة، وحتى لو لم تبلغ بعد مستوى "حرب باردة"، بين رئيسي الجمهورية والمجلس، إلى اشتباك سياسي مفتوح يعيد استحضار بدايات الحرب في السبعينيات من القرن الماضي، وبعض أسوأ مخلفات عصر الوصاية السورية حين كان التلاعب المتعمد بتلك الظاهرة المقيتة المسماة الترويكا الرئاسية وسيلة تحاصص حين يقتضي كلام الوصي، ووسيلة تحارب حين ينفخت الدف ويتفرق العشاق.
لن تكفي "حزب الله" بعد الآن، على ما يبدو، قطيعة شكلية كاملة بين بعبدا وعين التينة، لأن الآتي من التطورات يستدعي قرارات مركزية لبنانية حاسمة ومغطاة بالسقف الأقصى الممكن الذي يحتاج إليه إنقاذ لبنان وانتشاله من بين براثن الكماشة الإسرائيلية - الإيرانية التي تمعن في تمزيقه شر تمزيق، فيما يعلي "حزب الله" أناشيد الوهم "انتصارا" على إسرائيل. لكن المعضلة الأشد من معضلة، أن الرئيس نبيه بري يمثل الآن الركن الأعتق إطلاقا في عصر الطائف، مع سواه من رموز هذا العصر. فكيف للحزب أن يقنعه بافتعال انقضاض كامل على شرعيته التي تناوبت عليها 34 عاما من رئاسة البرلمانات المتعاقبة منذ عام 1992؟
أزمة النظام المطلوبة من الحزب تقارب الانتحار إياه الذي أشعلته حربا إسناد غزة وإيران، ولن نحتسب ما قبلهما...