المصدر: النهار
الكاتب: ناصيف حتي
الثلاثاء 11 آب 2026 07:40:05
بعد الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في روما برعاية الولايات المتحدة الأميركية، وقبل إعلان موعد الجولة الثامنة التي يقال إنها قد تعقد مطلع الشهر المقبل، الأمر الذي يدل على حجم التحديات أو العوائق الفعلية التي تضعها إسرائيل على طاولة المفاوضات، يمكن إدراج الملاحظات الآتية: استمرار إسرائيل في سياسة "التفاوض بالنار" على الأرض، لإرساء واقع جديد بغية فرض شروطها وأولوياتها على "التفاوض حول الطاولة". يشهد على ذلك التصعيد العسكري الإسرائيلي في الجغرافيا (وصل إلى البقاع الغربي) وفي القوة والكثافة النارية. تصعيد لم يتوقف، بل صار مواكباً للمفاوضات.
لا يعني ذلك بالطبع أن إسرائيل قادرة في نهاية المطاف على فرض أولوياتها ومقاربتها للمسار التفاوضي، لكنها تهدد هذا المسار على نحو كبير وخطير. ولا بد من التذكير بأن التفاوض ليس غاية في ذاته، بل وسيلة ديبلوماسية وواقعية، ولو أن دونها الكثير من التحديات والصعاب لوقف العدوان وتحرير الأرض الوطنية كلياً وإنهاء الحرب.
استراتيجية التفاوض الإسرائيلية تقوم على سياسة تجريف الأرض وإشعال النار في الأحراج والأراضي الزراعية والتدمير الممنهج لقرى ومناطق سكنية، بحيث يصبح من الصعب عودة الحياة إليها إذا توقفت الأعمال العسكرية الإسرائيلية غداً، والغد تحدده إسرائيل تبعاً لهذه السياسة. والجدير بالذكر أن إسرائيل تعمل على تعزيز ما يسمى الحزام الأمني أو المنطقة الآمنة في الأراضي اللبنانية تحت سيطرتها الكلية وضمن إطار زمني مفتوح تقرره وحدها، كما يردّد مسؤولوها كل يوم. ويبدو أن استراتيجية التفاوض الإسرائيلية على "الطاولة الديبلوماسية" تهدف إلى تمرير الوقت ضمن منطق التفاوض للتفاوض.
إسرائيل تبدي الاستعداد لتناول بعض العناوين والبقاء بعيدا من المضامين لمواضيع أكثر من أساسية في المفاوضات، مثل الحدود (التأكيد اللبناني لتثبيت الحدود وليس ترسيمها كما نذكر دائما، إذ إن حدودنا الجنوبية معترف بها دوليا، وهي الحدود اللبنانية - الفلسطينية التي رسمت عام ١٩٢٣).
إن منطق التفاوض للتفاوض حول الطاولة، الذي يمثل مقاربة إسرائيل الفعلية للمفاوضات، يشكل سمة ناظمة للمفاوض الإسرائيلي. ويزيد حدة ذلك التصعيد السياسي الذي يواكب التسخين ميدانيا كلما اقترب موعد الانتخابات النيابية في نهاية تشرين الأول المقبل.
نتنياهو وحلفاؤه وخصومه يخوضون كلهم حروبهم السياسية الانتخابية في "مسارح" ثلاثة، هي غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان.
وفي هذا السياق لا بد من التذكير بأن الرئيس جوزف عون، في كلمته خلال عشاء السفارة اللبنانية في واشنطن في ٢٢ تموز الماضي، قدم مقاربة لمسألة السلاح تقوم على الواقعية والتدريجية والشمولية، آخذا في الاعتبار تجارب مشابهة للحالة اللبنانية (الجيش الجمهوري الإيرلندي والقوات المسلحة الثورية في كولومبيا)، مقاربة تشكل خريطة طريق لتنفيذ قرار حصرية السلاح في يد الدولة اللبنانية، وكذلك قرار الحرب والسلم. وقد ذكّر بأن تلك المقاربة لا تجعل الهدف أقل إلحاحا، بل تجعل الأسلوب أكثر أهمية.
الأسلوب الذي يساعد بقوة على عودة الدولة إلى دورها الطبيعي والكلي في كل ما يتعلق بقضايا الأمن الوطني على كل التراب اللبناني .
المطلوب اليوم لإنقاذ المفاوضات من التباطؤ أو التعثر أو احتمال الفشل كما يصفها كل طرف، تبعا لموقعه أو رؤيته، يكمن في توفير الدعم الفعلي بكل أشكاله من الأطراف الدولية والإقليمية المؤثرة، وفي طليعتها الطرف الأميركي الذي هو راعي المفاوضات ومهندسها. هذا الدعم يكون من خلال الدفع الفعلي لتحقيق المطالب اللبنانية الأكثر من أساسية لمسار تفاوضي فاعل، وهي تثبيت وقف النار لا التفاوض تحت النيران الإسرائيلية، ووقف عمليات التدمير والتجريف الممنهج التي تهدف إلى تغيير الوضع كليا في الجنوب غداة انتهاء الحرب، متى انتهت، وكذلك وضع جدول زمني واضح للانسحاب وسيطرة الجيش اللبناني كليا على المنطقة الممتدة من جنوب الليطاني إلى الحدود الدولية للبنان، مع تثبيت هذه الحدود وتفعيل اتفاقية الهدنة وتطويرها إذا اقتضى الأمر.
إن استقرار لبنان عبر انهاء الاحتلال الإسرائيلي في "الجبهة الجنوبية" وبسط سيطرة الدولة اللبنانية كلّيا على أراضيها أمر أكثر من ضروري لإطلاق مسار العودة إلى الدولة. إنه الشرط الأكثر من ضروري للإنماء الوطني الشامل المتعدد والمترابط الأبعاد، وكذلك أمر ضروري للإسهام في استقرار إقليم شرق أوسطي يعيش تمخضات ونزاعات وحروبا بأشكال وعناوين متعددة يوثّر بعضها في البعض الآخر بأشكال ودرجات مختلفة.