المصدر: النهار
الكاتب: روزانا بو منصف
الثلاثاء 14 نيسان 2026 17:08:19
المفاوضات التي ذهب إليها لبنان هي سيف ذو حدين. فلبنان يطالب بالمفاوضات وقد أنهك من الحرب المستمرة منذ 2023، والأميركيون ضغطوا على الإسرائيليين من أجل التفاوض، والطريق لن تكون سهلة.
وقد يذهب الإسرائيليون مباشرة، على غرار ما فعلوا في اجتماع "الميكانيزم" الذي تمثل فيه لبنان عبر السفير سيمون كرم، إلى المطالبة بالتعاون الاقتصادي، فيما قرى الجنوب نازحة وإسرائيل تحتل نقاطاً في الأراضي اللبنانية. وهذه قد تكون مقاربة لقطع الطريق على مفاوضات جدية، وليس رفعاً للسقوف بما يمكن أن تقدم إسرائيل أوراقاً إلى "حزب الله" ما لم يستدرك الأميركيون المحاولة الإسرائيلية إذا شاؤوا فعلاً أن يكون لبنان شريكاً في ترتيبات تحفظ الأمن عبر الحدود بين الجانبين، بدل إضعاف هذا الشريك أو ضربه بما يدفع إلى الواجهة الحزب أو إيران شريكا محتملاً بديلاً.
والحال أن لبنان الرسمي، وإن بدا يشهد معارضة ورفضاً من الحزب وفق ما هو متوقع، مع انشداده أكثر فأكثر إلى إيران، يبدو ذاهبا إلى التفاوض بموافقة الرئيس نبيه بري، الشريك في "الثنائي الشيعي"، وقد محض الرئيس جوزف عون موافقته على مبادرة التفاوض المباشر مع إسرائيل، شرط عدم ضم أي مفاوض شيعي إلى الوفد.
في المقابل، يشارك وزراء حركة "أمل" بفاعلية في الحكومة التي عمد الحزب إلى تخوين رئيسها نواف سلام، فيما توجه وزير المال ياسين جابر إلى واشنطن للمشاركة في اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي، ولم يستقل وزراء الحزب من الحكومة على رغم كل الاتهامات والمعارضة التي تساق ضد رئيسي الجمهورية والحكومة.
كل هذا المشهد يُقرأ على خلفية المأزق الذي يجد الحزب نفسه فيه، ربما للمرة الأولى في تاريخه، حيث غالبية من القوى السياسية اللبنانية ليست وحدها في خانة مناوءة الحرب التي يخوضها، بل هي في موقع واحد مع الدولة اللبنانية وأركانها في رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب ورئاسة الحكومة، وقد جاء خيار التفاوض مع إسرائيل بفعل اضطرار لبنان إلى إنهاء احتلال النقاط الخمس بعد حرب إسناد غزة التي تسبب بها الحزب ووسعت إسرائيل هذا الاحتلال إثر حرب إسناد إيران.
وتفيد معطيات أن هناك استمزاجا غير مباشر لآراء ديبلوماسية حول السبل الأفضل لمقاربة التفاوض المحتمل بين لبنان وإسرائيل، والبعض عرض أوراقاً تفصيلية محددة في هذا الإطار على قاعدة أن لبنان ليس مضطراً إلى أن يكون في موقع دفاعي، بل على خلفية برنامج محدد يقوم على خطوة مقابل خطوة، مع تحديد للهدف يتيح بيع التنازلات متى حصلت. ومعلوم أن لبنان الذي سعى إلى الاستئثار بقراره التفاوضي بعيدا من الاعتماد على إيران، قد يستفيد إذا استمر التواصل الأميركي - الإيراني أو الهدنة التي يسعى الطرفان إلى إدامتها. فالعراق استفاد من هذا الفاصل لتمرير انتخاب رئيس للجمهورية بعد عوائق متعددة لم تتح ذلك في الأشهر الأخيرة، مع اتجاه إلى حسم رئاسة الحكومة إنما من خارج الكباش على الموقع الذي كان حاصلا بين إيران والولايات المتحدة.
المطلوب إذا إرساء دينامية لمصلحة لبنان عبر أصدقائه، في أسوأ الأحوال، وتبني تصحيح مطلوب يعتمده وليس اعتماد رد الفعل أو انتظار الآخر للمبادرة، بل احتمال إحراجه أمام الرأي العام لديه والعالم.
توازيا، تدرك إسرائيل أن توغلها في الجنوب لن يحل مسألة إبعاد "حزب الله" عن الحدود بما يضمن أمن شمالها. فإذا لم تذهب الدولة اللبنانية إلى مفاوضات فعلية وأصبح البديل العودة إلى اتفاق الهدنة ثم يبحث الطرفان في سلام محتمل، لن يتاح لها أن تكون لها اليد العليا في مسألة الحفاظ على سيادة لبنان واليد العليا على الحزب، بحيث يمكن أن تترك له الدولة في المرحلة الأولى ما تبقى من سلاحه، حتى إذا ما احتاجت إليه يمكن أن تستدعيه تحت شرط أساسي معلن، بالتزام واضح منه أن قرار الحرب والسلم في يد الدولة وحدها، وعليه الخضوع وليس التغريد خارجها. ومع أن هذا يتناقض مع مطلب نزع سلاح الحزب، يجب الإقرار باستحالة الأمر إذا خبأ عناصره السلاح في بيوتهم كما فعلوا جنوب الليطاني. والخيار الذي يمكن أن تضعه الدولة أمام الحزب تاليا هو الذهاب إلى اتفاق الهدنة ربما مع ترتيبات جديدة تضمن أمن الحدود أو استمرار حرب مفتوحة بتداعيات كارثية، بحيث تمنع إسرائيل عودة أهالي الجنوب ولا تصل أي أموال إلى لبنان لإعادة الإعمار.