المصدر: المدن
الكاتب: رشا أبو حيدر
السبت 7 تشرين الثاني 2026 14:33:25
شهد لبنان سلسلة حروب إسرائيلية، وذلك منذ العام 2023، بُعيد حرب "إسناد غزة" من قبل "حزب الله" في الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2023. وكانت رقعة الحرب بين "حزب الله" والقوات الإسرائيلية في البداية ضمن مساحة جغرافية بعمق تراوح بين ثلاثة كيلومترات وخمسة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. وسرعان ما أعقبت ذلك حرب كبرى شنّتها إسرائيل على لبنان في شهر أيلول من العام 2024، أطلقت عليها اسم "سهام الشمال" (Operation Northern Arrows). شكّلت هذه الحرب مرحلة تصعيدية جديدة في مسار الحرب الإسرائيلية - اللبنانية، وقد أدّت إلى تهجير مئات الآلاف من السكان من محافظتي لبنان الجنوبي والنبطية، ومن الضاحية الجنوبية في محافظة جبل لبنان، ومن مناطق واسعة من محافظتي البقاع وبعلبك الهرمل. وأطلق "حزب الله" من جهته، ردّاً على هذه العملية العسكرية، على معركته اسم "أولي البأس". استمرت هذه الحرب مدة ستة وستين يوماً، وانتهت بتوقيع اتفاق بين لبنان وإسرائيل لوقف إطلاق النار بتاريخ 27 تشرين الثاني 2024، وقد تضمّن تطبيق القرار الدولي رقم 1701 الصادر عن مجلس الأمن في 11 آب/ أغسطس 2006. ونصّ الاتفاق على وقف شامل لإطلاق النار وانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان ضمن مهلة ستين يوماً. أتاح هذا الاتفاق عودة قسم كبير من المهجّرين قسراً إلى منازلهم في مختلف المناطق التي نزحوا منها. ولكنّ إسرائيل منعت عودة السكان إلى ستين بلدة في جنوب لبنان إلى حين انقضاء 60 يوماً من تاريخ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، إذ توغّل الجيش الإسرائيلي خلال هذه الفترة في عدد من القرى والبلدات الحدودية، وعمد إلى تدمير منازل ومنشآت وبنى تحتية كثيرة وتفجيرها، ما منع الآلاف من سكان القرى والبلدات الحدودية في جنوب لبنان من العودة.
لم تلتزم إسرائيل بالانسحاب الكامل من جنوب لبنان كما نصّ الاتفاق، وأبقت على وجودها العسكري في خمس نقاط استراتيجية داخل الأراضي اللبنانية تُشرف على طول الخط الحدودي بين لبنان وفلسطين المحتلة، ابتداءً من قضاء مرجعيون مروراً بقضاء بنت جبيل في محافظة النبطية، وصولاً إلى قضاء صور في محافظة لبنان الجنوبي. وعلى امتداد خمسة عشر شهراً، استمرت إسرائيل في ممارسة اعتداءاتها على كامل الأراضي اللبنانية خلافاً لاتفاق وقف إطلاق النار. وقد تخلّل هذه المرحلة اتخاذ مجلس الوزراء اللبناني، في الخامس من آب/ أغسطس 2025، قراراً بوضع خطة لحصر السلاح بيد الجيش اللبناني قبل نهاية العام. ثم أقرّ مجلس الوزراء في السابع من آب/ أغسطس ما عُرف بـ"ورقة باراك"، نسبةً إلى المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا ولبنان في تلك المرحلة توم باراك، وهي ورقة حملت جدولاً زمنياً وآلية لنزع السلاح. وقد أعلن الجيش اللبناني في الثامن من كانون الثاني/ يناير 2026 انتهاء المرحلة الأولى من تنفيذ خطة حصرية السلاح في جنوب نهر الليطاني.
في 28 شباط/ فبراير 2026، شنّت كلٌّ من أميركا وإسرائيل هجوماً على إيران، أدّى إلى مقتل عدد من القيادات الإيرانية، وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي الخامنئي. وبتاريخ الثاني من آذار/ مارس 2026، أطلق "حزب الله" ستة صواريخ من الأراضي اللبنانية إلى داخل فلسطين المحتلة، ما أدّى إلى قيام إسرائيل بردّ عسكري واسع في العمق اللبناني وصولاً إلى الضاحية الجنوبية في بيروت، بعد ساعة واحدة من إطلاق الصواريخ. وكان ذلك بداية لحرب جديدة شنّتها إسرائيل على كامل الأراضي اللبنانية، استمرت مدة ثلاثة أشهر. وإثر إطلاق الصواريخ من لبنان، أعلنت رئاسة الوزراء اللبنانية، في جلسة برئاسة رئيس الجمهورية جوزف عون، قرار الحظر الفوري لنشاطات "حزب الله" الأمنية والعسكرية كافة، باعتبارها خارجة عن القانون.
لقد أدّت هذه الحرب على لبنان إلى تهجير قسري لمئات الآلاف من المواطنين، كما أنها فرضت واقعاً أمنياً جديداً من خلال احتلال إسرائيل مساحة من جنوب لبنان بلغت حوالي 600 كيلومتر مربع، وبعمق عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، تحت شعار حماية المستوطنات الشمالية داخل حدود فلسطين المحتلة من صواريخ "حزب الله".
المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية
لم تكن الحرب الإسرائيلية على لبنان خارج سياق التطورات الإقليمية، فبعد انطلاق المفاوضات الأميركية الإيرانية بوساطة باكستانية، أصبحت هذه الحرب جزءاً من هذه المفاوضات. وعقب إعلان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، فجر يوم الثامن من نيسان/ أبريل 2026، عن التوصّل إلى اتفاق هدنة بين واشنطن وطهران، وما سينتج عن ذلك من تهدئة الجبهات في المنطقة، بما فيها جبهة لبنان، بطلب إيراني، شنّت إسرائيل عند الثانية والربع من عصر اليوم نفسه أكثر من مئة غارة على العاصمة بيروت ومختلف المناطق اللبنانية تحت اسم عملية "الظلام الأبدي"، أسفرت عن مقتل أكثر من 300 شخص وجرح أكثر من 500، بحسب وزارة الصحة اللبنانية.
في الرابع عشر من نيسان/ أبريل، تمّ الإعلان عن بدء مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، وأعقبه إعلان رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزف عون التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الطرفين بتاريخ 17 من الشهر نفسه، وشكر فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب على جهوده في تحقيق وقف إطلاق النار. في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي رسمياً عن إقامة منطقة "الخط الأصفر" في 18 نيسان/ أبريل، تحت سيطرته الكاملة في جنوب لبنان، وقد بلغ عمقها حوالي عشرة كيلومترات. ومثّل هذا الخط المفهوم الإسرائيلي للمنطقة الأمنية العازلة، التي شملت عشرات البلدات والقرى في أقضية صور وبنت جبيل ومرجعيون، مانعاً مئات الآلاف من السكان من العودة إليها. استمرت الجولات التفاوضية بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن، وفي الرابع من حزيران صدر "إعلان النوايا" بُعيد الجولة الرابعة. وشدّد الجيش اللبناني بتاريخ الخامس عشر من حزيران على "ضرورة تريّث الأهالي في العودة إلى القرى والبلدات الحدودية الجنوبية، والالتزام بتوجيهات الوحدات العسكرية المنتشرة، حفاظاً على سلامتهم من خطر الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية". في السابع عشر من حزيران، تمّ توقيع "مذكرة التفاهم" بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والإيراني مسعود بزشكيان، وقد تضمّن الاتفاق بنداً يتعلّق بوقف الأعمال العدائية في لبنان. وبتاريخ 26 حزيران، وقّع كلٌّ من لبنان وإسرائيل "اتفاق الإطار" في واشنطن، بحضور سفيرة لبنان في الولايات المتحدة ندى معوّض ورئيس الوفد اللبناني المفاوض السفير الأسبق لدى الولايات المتحدة سيمون كرم. وبموجب الاتفاق، أعلن كلٌّ من إسرائيل ولبنان عزمهما على إنهاء النزاع بينهما، وفق شروط محددة، تتولى بموجبها القوات المسلحة اللبنانية بسط سلطة الدولة الفعلية على كامل الأراضي اللبنانية، بعد التحقّق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية، بما يتيح للقوات الإسرائيلية إعادة انتشارها تدريجياً إلى خارج الأراضي اللبنانية. وقد تضمّن الاتفاق أربعة عشر بنداً، من بينها بندٌ ينصّ على تولّي الجيش اللبناني تدريجياً المسؤولية الأمنية الكاملة في منطقتين تجريبيتين في جنوب لبنان. من جهته، عبّر "حزب الله" عن رفضه هذا الاتفاق، معتبراً أنه يُشرعن بقاء القوات الإسرائيلية لسنوات طويلة في جنوب لبنان. كما رأى "حزب الله" أن أي اتفاق حول حصرية السلاح يجب أن ينحصر في جنوب نهر الليطاني كما حصل في العام 2025، أمّا النقاش حول السلاح خارج حدود جنوب النهر وحول الأمن، فهو من الشؤون الداخلية البحتة.
توسيع نطاق السيطرة العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان
بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982 في إطار عملية "سلامة الجليل"، أقدمت إسرائيل على إقامة شريط حدودي بلغت مساحته 1100 كيلومتر مربع من الأراضي اللبنانية، عُرف بـِ "المنطقة الأمنية"، وذلك لغاية تاريخ انسحاب الجيش الإسرائيلي في أيار من العام 2000. وبُعيد حرب العام 2026 التي بدأت في شهر آذار/ مارس، أعلنت إسرائيل بشكل رسمي عن المنطقة الأمنية التي أطلقت عليها اسم "المنطقة الصفراء"، وهي تأتي في إطار استراتيجية تعتمدها إسرائيل في إقامة مناطق عازلة خالية من السكان ومدمّرة بالكامل، بهدف توفير الحماية والأمن لسكان شمال إسرائيل، بحسب تصريحات المسؤولين الإسرائيليين. كما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس منذ العام 2025 عن ضرورة إقامة مناطق عازلة في كلٍّ من سوريا وغزة ولبنان، ضمن ترتيبات أمنية إلى حين إزالة الخطر.
ولم يُثمر الإعلان عن الجولات التفاوضية بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، ومن ثمّ توقيع "اتفاق الإطار" بين الجانبين، تطوراً مهماً في مسار خفض التصعيد. بل على العكس، اتّبعت إسرائيل سياسة توسيع نطاقها الأمني والعسكري في جنوب لبنان من خلال احتلال مناطق جديدة وضمّها إلى "المنطقة الصفراء"، وبالتالي تهجير السكان منها، ومن ضمنها بلدة مجدل زون في قضاء صور في محافظة الجنوب، التي لم تكن موجودة ضمن خريطة المنطقة الأمنية التي نشرها جيش الاحتلال الإسرائيلي في نيسان/ أبريل. وفي الثامن عشر من حزيران، نشر الجيش الإسرائيلي خريطة جديدة للمنطقة الأمنية المنتشر فيها، تبيّن من خلالها ضمّ بلدات إضافية، بينها حداثا وبيت ياحون في قضاء بنت جبيل. وفي 26 حزيران 2026، عقب توقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، ألقى الجيش الإسرائيلي منشورات تدعو الأهالي إلى إخلاء البلدة، رغم انتشار الجيش اللبناني فيها.
وبعد يوم واحد من انعقاد الجولة السابعة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في العاصمة الإيطالية روما، في الرابع من آب/ أغسطس الماضي، أصدر الجيش الإسرائيلي إنذاراً لسكان بلدة المنصوري بإخلائها بشكل كامل، وطلب من السكان الابتعاد عنها مسافة لا تقلّ عن ألف متر، ما دفع العائلات وعناصر الجيش اللبناني إلى إخلاء البلدة بشكل عام. في موازاة ذلك، وسّعت إسرائيل سيطرتها النارية على البلدات التي تنتشر على طول خط "المنطقة الصفراء"، وهي بلدات يقطنها سكانها، إضافة إلى عائلات نازحة من القرى المحتلة، وهي معرّضة لخطر التهجير القسري في ظل ارتفاع وتيرة الاستهدافات الإسرائيلية. وتمتد هذه البلدات على طول الخط من قضاء صور إلى قضاء بنت جبيل وصولاً إلى قضاء مرجعيون، وهي تشهد توغّلاً في بعض أطرافها تارةً واستهدافات تارةً أخرى. وتشهد أطراف 11 بلدة خارج "المنطقة الصفراء" اعتداءات إسرائيلية مستمرة، وهي: بلدات زبقين وياطر وكفرا في قضاء صور، وبلدات حاريص وبرعشيت وعيتا الجبل وشقرا في قضاء بنت جبيل، وبلدات قبريخا وفرون والغندورية في قضاء مرجعيون. وبحسب أرقام رسمية، تُقيم في هذه البلدات حوالي 4500 عائلة، بينها عدد من العائلات المهجّرة قسراً من القرى المحتلة، ممّن اتخذوا من هذه البلدات مكان إقامة لهم.
منطقة أمنية شمال نهر الليطاني
في سياق التسلسل الزمني للتوسّع الأمني والعسكري للجيش الإسرائيلي في المنطقة الواقعة شمال نهر الليطاني، أعلن الجيش الإسرائيلي عن نيّته الاستمرار في العملية العسكرية، متجاوزاً منطقة جنوب النهر إلى شماله، من مدخل بلدتي زوطر الشرقية وزوطر الغربية باتجاه بلدتي أرنون وشقيف، وصولاً إلى قلعة الشقيف التي أعلن عن احتلالها في 31 أيار/ مايو 2026، وبالتالي توسيع المنطقة الأمنية التي يسيطر عليها وصولاً إلى أطراف مرتفعات علي الطاهر المشرفة على مدينة النبطية في قضاء النبطية. وفي ظل الاستهدافات التي شهدتها المرتفعات على مدى أشهر، أعلن الجيش الإسرائيلي احتلالها في 6 أيلول/ سبتمبر 2026، ليقوم لاحقاً بتفجير المنشأة التابعة لـِ "حزب الله" في 10 أيلول/ سبتمبر. وأعقب ذلك التفجير إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن توسيع المنطقة الأمنية في جنوب لبنان، لتصبح مرتفعات علي الطاهر ضمن "المنطقة الصفراء"، مشيراً إلى أن إسرائيل لن تنسحب من هذه المنطقة قبل نزع سلاح "حزب الله". وقد منعت إسرائيل منذ شهر حزيران الماضي عودة أهالي منطقة النبطية الفوقا الملاصقة للمرتفعات، التي يبلغ عدد المقيمين فيها حوالي 2071 عائلة، بحسب مصادر رسمية معنية. ويُضاف إلى التهجير القسري في منطقة النبطية الفوقا تهجيرُ 3875 عائلة كان أفرادها يقيمون في مناطق أرنون، ويحمر الشقيف، وزوطر الشرقية، وكفرتبنيت. كما تستهدف القوات الإسرائيلية بلدة ميفدون رغم وجود السكان فيها، وهي واقعة ضمن نطاق شمال نهر الليطاني وتحدّها بلدتا زوطر الشرقية وكفرتبنيت المحتلتان.
المناطق التجريبية
في إطار تنفيذ بنود "اتفاق الإطار" بين لبنان وإسرائيل، أدرجت إسرائيل كلّاً من بلدتي فرون والغندورية في قضاء بنت جبيل، الواقعتين جنوب نهر الليطاني، ضمن المناطق التجريبية، وذلك في شهر تموز من العام 2026، لكنّ أيّاً منهما لم تكن تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي آنذاك. وقد أعلن الجيش اللبناني في الخامس عشر من تموز عن تنفيذ دوريات وإقامة حواجز ونقاط مراقبة في البلدتين وبلدات أخرى في جنوب لبنان. ثم شكّلت بلدة زوطر الغربية، الواقعة في قضاء النبطية شمال نهر الليطاني، المنطقة التجريبية الأولى (Pilot Zone)، وكانت محتلّة من قبل الجيش الإسرائيلي. دخل الجيش اللبناني البلدة في 21 تموز الماضي تحت إشراف وتنسيق "مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان – MCG4L". وقد تمّ تسجيل إطلاق نار من قبل الجانب الإسرائيلي على عناصر الجيش اللبناني خلال انتشارهم على أطراف البلدة الملاصقة لبلدة زوطر الشرقية المحتلة. ونشر الجيش بياناً أفاد فيه بأنّ إطلاق النار بالقرب من العسكريين عرّضهم للخطر وأعاق تنفيذ المهمة المنبثقة عن اتفاق الإطار. من جهتها، اعتبرت إسرائيل أن القوة العسكرية اللبنانية قد تجاوزت مسافة 150 متراً إلى منطقة خارج نطاق المنطقة التجريبية. ينتشر عناصر الجيش اللبناني في البلدة التي عادت إليها عشرات العائلات، التي لم يتخطَّ عددها المئة من أصل 500 عائلة كانت مقيمة سابقاً. وتعيش هذه العائلات في ظروف صعبة في ظل دمار البنى التحتية وغياب الخدمات الأساسية. وقد زار البلدة التجريبية الأولى كلٌّ من رئيس الجمهورية اللبنانية جوزف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى. ولم يتمّ تحديد مناطق تجريبية إضافية بسبب غياب قوة تحقّق دولية متعدّدة الجنسيات. كما لم تُساهم هذه التجربة في تغيير واقع التهجير القسري بسبب الدمار الكبير الذي خلّفته الاعتداءات الإسرائيلية قبل الانسحاب منها، وفي ظل غياب المساعدات المطلوبة للسكان.
قراءة تحليلية
يُظهر التسلسل الزمني والعملياتي لتوسّع المنطقة الأمنية في جنوب لبنان مساراً تصعيدياً ووضعاً معقّداً مرشّحاً للاستمرار في جنوب لبنان، وسط تداخل وتشابك ملفات إقليمية عديدة، على رأسها الحرب الأميركية الإيرانية. وتُشير الوقائع إلى ارتفاع احتمالات توسيع رقعة المنطقة الأمنية العازلة وتكريس وجود إسرائيلي طويل الأمد في جنوب لبنان، في ظل وضع سياسي داخلي لبناني هشّ، وفي ظل أطماع إسرائيلية علنية تحت ذريعة ضمان أمن إسرائيل وحمايتها.
أولاً، لم يُفضِ "اتفاق الإطار" بين لبنان وإسرائيل إلى إحداث تطوّر ملموس لجهة وقف التصعيد في جنوب لبنان. كما أن الاتفاق لا يتضمّن إطاراً زمنياً للانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، إضافة إلى أنّه يربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح "حزب الله" من كامل الأراضي اللبنانية، الأمر الذي شكّل مشكلة داخلية بالنسبة إلى "حزب الله"، إذ يعتبر أن مسألة حصرية السلاح تنقسم إلى قسمين: يتعلّق القسم الأول بملف حصرية السلاح في منطقة جنوب نهر الليطاني، حيث لا يُمانع في أن يخضع هذا السلاح لمندرجات اتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقّع بين لبنان وإسرائيل بتاريخ 27 تشرين الثاني 2024. أمّا القسم الثاني، الذي يتعلّق بحصرية السلاح في منطقة شمال نهر الليطاني وكامل الأراضي اللبنانية، فيُطالب "حزب الله" بتحديد مصير هذا السلاح في إطار حوار وطني مع مختلف الأطراف اللبنانية.
ثانياً، يُشكّل انتهاء وجود قوات الأمم المتحدة "اليونيفيل" في جنوب لبنان في 31 كانون الأول/ ديسمبر 2026 فراغاً أمنياً كبيراً، ويثير مخاوف من تكريس واقع الاحتلال في ظل غياب أي اتفاق على آلية تحقّق دولية تحلّ مكان قوات الأمم المتحدة. كما يجري البحث عن بدائل من قوات متعدّدة الجنسيات أو من دول محدّدة.
ثالثاً، يتعرّض الجيش اللبناني لضغوط خارجية لنزع سلاح "حزب الله" في ظل ضعف قدراته العسكرية وغياب الدعم لتعزيز هذه القدرات، إلى جانب إعلان القيادة الأمنية الإسرائيلية مراراً عن عدم ثقتها بالحكومة اللبنانية لجهة نزع سلاح "حزب الله". وقد شهدت مرحلة ما قبل احتلال مرتفعات "علي الطاهر" في شمال نهر الليطاني مطالب بتفكيك المنشأة التابعة لـِ "حزب الله" في المرتفعات. ونشر جيش الاحتلال الإسرائيلي بياناً بتاريخ 20 تشرين الأول، اتهم فيه الجيش اللبناني "بفشله في تولّيه مسؤولية إزالة الوسائل القتالية والبنى التحتية العسكرية التابعة لحزب الله من جنوب لبنان"، وصولاً إلى اتهام الجيش اللبناني، بحسب شعبة الاستخبارات العسكرية، بوجود تنسيق بين جهات من داخل الجيش اللبناني و"حزب الله" بشأن أنشطة إنفاذ الترتيبات الأمنية، الأمر الذي يُتيح لإسرائيل لاحقاً الإقدام على التوسّع في عملياتها العسكرية، سواء في منطقة جنوب نهر الليطاني أو في مناطق أخرى واقعة شمال نهر الليطاني، مثل مناطق إقليم التفاح في قضاء النبطية ومناطق في جبل الريحان في قضاء جزين، بهدف تفكيك منشآت تابعة لـِ "حزب الله".
رابعاً، تتصاعد حدّة التهديدات الإسرائيلية بتوسيع رقعة المنطقة الأمنية في كامل جنوب نهر الليطاني، وكذلك في منطقة النبطية شمال نهر الليطاني، إضافة إلى شنّ ضربات ضد "حزب الله" في الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، في حال مساندة "حزب الله" لإيران في أي حرب جديدة محتملة، أو في حال إطلاق مسيّرات نحو شمال فلسطين من قبل "حزب الله". وتعتقد القيادة الأمنية في إسرائيل أن "حزب الله" يُعيد بناء قدراته العسكرية، كما تعتبر القيادة، بعيداً عن نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلي، أن أمن إسرائيل هو أولوية، ما يسمح بحرية التحرّك مستقبلاً في لبنان وجنوبه ريثما يتمّ سحب سلاح "حزب الله".
خامساً، يربط "حزب الله" هذه الحرب ونتائجها بمسار "إسلام آباد"، إذ وضعت إيران بنداً يتعلّق بوقف الأعمال العدائية على مختلف الجبهات العسكرية في المنطقة، ولا سيّما في لبنان، إضافة إلى الانسحاب الإسرائيلي منه في مرحلة لاحقة من تطبيق "مذكرة التفاهم" الأميركية الإيرانية. في المقابل، ترى السلطة اللبنانية أن لا حلّ لإنهاء الحرب إلا من خلال الدبلوماسية وفق مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، مُشدّدةً على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي من لبنان وعودة النازحين إلى قراهم في جنوب لبنان، وعودة الأسرى اللبنانيين من السجون الإسرائيلية وإعادة الإعمار.
سادساً، أدّت التطورات الأخيرة بين اليمن والسعودية إلى اتّساع رقعة الحرب. وقد يكون لهذا التطوّر في المواجهة انعكاس على الوضع اللبناني، كما يعتقد "حزب الله"، إذ يعتبر أن دخول "أنصار الله – الحوثيين" في المعركة عاملٌ إيجابيٌّ لجهة تسريع الوصول إلى حلّ إقليمي شامل في المنطقة. في المقابل، لطالما كان للمملكة العربية السعودية دورٌ محوريٌّ في لبنان، وبالتالي فإنّ أي تسوية بين "أنصار الله – الحوثيين" والسعودية قد تكون لها انعكاسات مباشرة على البلد.
سابعاً، تسعى إسرائيل إلى إعادة إنتاج اتفاق يتعلّق بالثروة النفطية من خلال تعديل ما تمّ الاتفاق عليه بين البلدين في عهد الرئيس اللبناني ميشال عون حول ترسيم الحدود البحرية، وذلك في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2022 عبر وساطة أميركية. ويُشكّل موقع لبنان الجغرافي في مجال استخراج النفط موضع تنازع بين محورين في المنطقة: إسرائيل وقبرص واليونان من جهة، وتركيا وسوريا ودول عربية أخرى من جهة ثانية. وقد أصبح لبنان في قلب هذه المعادلة.
سيناريوهات محتملة
إنّ مصير المنطقة الأمنية العازلة في جنوب لبنان مرهون بأربعة سيناريوهات محتملة عبر مسارات مختلفة، تتضمّن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة والمفاوضات الإقليمية الحاصلة، وصولاً إلى احتمالية التصعيد العسكري من جديد.
السيناريو الأول: التسوية عبر المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية
يتناول السيناريو الأول احتمالية أن تُفضي المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية إلى انسحاب إسرائيلي متدرّج مقابل نزع سلاح "حزب الله"، كما تضمّنت ورقة "اتفاق الإطار" التي وُقّعت بين البلدين. إلا أن شروط تحقيق هذا السيناريو في المدى المنظور غير متوفرة لأسباب عديدة:
أولاً، رفض "حزب الله" هذه المفاوضات المباشرة، إضافة إلى رفضه تسليم السلاح في ظل وجود الاحتلال الإسرائيلي، وذلك انطلاقاً من حقّه في الدفاع والمقاومة ما دام الاحتلال موجوداً، كما يعتبر. ثانياً، عدم حصول أي انسحاب منذ توقيع "اتفاق الإطار"، إضافة إلى استمرار المفاوضات في ظل استمرار الاعتداءات والتوسّع الإسرائيلي جنوباً. ثالثاً، إنّ غياب أي ضمانة دولية ضمن "اتفاق الإطار" يضع لبنان في موقف ضعيف لعدم وجود جهة دولية ضامنة لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية ووقف الأعمال العدائية. رابعاً، لم تلتزم إسرائيل على مدى السنوات الماضية بأيٍّ من الاتفاقات التي أُبرمت، ومنها الاتفاق الذي حصل في شرم الشيخ في تشرين الثاني من العام 2025 لوقف الحرب على غزة برعاية أميركية وتركية وقطرية وسعودية ومصرية، وقبله اتفاق تشرين الثاني 2024 مع لبنان، وصولاً إلى "اتفاق الإطار".
ورغم المعوّقات التي يشهدها "اتفاق الإطار"، قد تُفضي الضغوط الأميركية والدولية في آنٍ معاً إلى تفاهم يؤدي إلى انسحاب جزئي من جنوب لبنان. إلا أن أي انسحاب في المدى المنظور سيكون مرهوناً بضمانات وآليات رقابة لضمان تنفيذه أو تحديد أسباب فشله.
السيناريو الثاني: التسوية عبر المفاوضات الأميركية - الإيرانية
يتمثّل أحد السيناريوهات المحتملة لوقف الاعتداء على لبنان وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب في نجاح مسار المفاوضات الأميركية الإيرانية التي بدأت بوساطة باكستانية وقطرية وتركية وسعودية، والتي أفضت إلى توقيع "مذكرة تفاهم" عُرفت باتفاقية "مسار إسلام آباد". وقد كان لهذا الاتفاق انعكاس على مستوى خفض التصعيد في الحرب على لبنان من خلال إيجاد قواعد اشتباك محصورة حالياً، وإلى حدٍّ ما، في جنوب لبنان. ولا تزال إيران، في إطار المفاوضات مع أميركا، تنظر إلى لبنان بوصفه جزءاً من أمنها القومي ومصالحها ونفوذها في المنطقة. وفي شهر أيلول/سبتمبر الفائت، قدّمت إيران إلى الولايات المتحدة، على هامش انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، مقترحاً تمثّل في "النقاط السبع" خطةً لإنهاء الحرب، تضمّنت بنداً يتعلّق بوقف الحرب على لبنان. وهذه الخطة هي موضع مفاوضات تجري حالياً بوساطة قطرية، وقد تُشكّل فرصة سانحة للبنان لوقف الحرب الإسرائيلية عليه. لكنّ أي توصّل إلى تفاهم أميركي – إيراني قد لا يعني بالضرورة إيجاد حلّ شامل يفضي إلى انسحاب كلّي للقوات الإسرائيلية. كما أن لبنان، الذي أصبح جزءاً من هذه المعادلة، لا يملك ترف الانتظار إلى حين التوصّل إلى نتيجة إيجابية قد تلتزم بها إسرائيل أو قد تتنصّل منها، كما أثبتت التجارب السابقة.
السيناريو الثالث: التصعيد العسكري الإقليمي
في حال عدم الوصول إلى أي نتائج إيجابية في المفاوضات بين إيران وأميركا، قد تشهد المنطقة جولة جديدة من الحرب بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، الأمر الذي قد تكون له انعكاساته على لبنان، وقد يؤدّي إلى نشوب حرب بين إسرائيل ولبنان، ما يُهدّد بتوسّع رقعة الاحتلال الإسرائيلي إلى مناطق جديدة، وبمزيد من التعقيدات على صعيد الوضع السياسي الداخلي اللبناني، لا سيّما في حال دخول "حزب الله" الحرب. كما أن عدم دخول "حزب الله" في الحرب لا يُلغي احتمال التصعيد من قبل الجانب الإسرائيلي وتحقيق معادلة جديدة وقواعد اشتباك جديدة لفرض ضغوط ومطالب إضافية لاحقاً. وتبقى نتائج هذه الحرب، في حال حصلت، مفتوحة على عدد من الاحتمالات، ولبنان ليس بمنأى عنها.
السيناريو الرابع: استمرار الوضع الراهن
في ظل استمرار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية من دون التوصّل إلى أي نتيجة، وفي ظل عدم التوصّل إلى تفاهم نهائي بين أميركا وإيران، ومن دون اندلاع مواجهة جديدة في المنطقة بين الأطراف المتنازعة، قد يستمر الوضع في جنوب لبنان على ما هو عليه، مع احتمالية التصعيد من الجانب الإسرائيلي، وذلك بهدف فرض ترتيبات أمنية جديدة واستمرار الضغوط على لبنان. إلا أن هذا السيناريو من شأنه أن يُكرّس استنزافاً طويل الأمد في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية التي يشهدها لبنان، إضافة إلى انقسامات سياسية داخلية متفاقمة.
مصير المنطقة العازلة
أمام ما تقدّم من واقع للمنطقة الأمنية العازلة والسيناريوهات المحتملة، يعيش مئات الآلاف من المدنيين تحت وطأة معاناة التهجير القسري من جنوب لبنان، في ظل ظروف اقتصادية صعبة وغياب المساعدات المطلوبة أو أي خطة استراتيجية تهدف إلى تأمين النازحين وحمايتهم وتعزيز صمودهم في أماكن النزوح. في المقابل، تعيش مئات الآلاف من العائلات التي عادت إلى جنوب لبنان في وضع أمني غير مستقر ومرشّح للتصعيد في أي وقت. وأظهرت الوقائع الميدانية والسياسية أن المنطقة الأمنية العازلة مهدّدة بتوسّع رقعتها، إضافة إلى إطالة أمد عودة المواطنين إلى قراهم وبلداتهم. كما أن التوصّل إلى أي اتفاق سياسي - أمني في المدى المنظور لا يعني تحقيق عودة فورية للنازحين إلى قراهم التي تعرّضت للتدمير الممنهج في البنى التحتية والمنازل، وبالتالي لا يعني انتهاء المنطقة الأمنية العازلة ما لم تتمكّن الدولة اللبنانية من تأمين العودة وإعادة الإعمار وفق خطة استراتيجية مدعومة من الدول الصديقة للبنان. ومن الجدير ذكره عدم تبلور شروط خطة إعادة الإعمار أو هوية الأطراف المشاركة في مسار إعادة الإعمار.
لا يُمكن عزل لبنان عن الصراع الإقليمي الحاصل، وبالتالي فإنّ أي حلّ سيأتي ستترتّب عليه تداعيات وانعكاسات على لبنان. وأمام هذا الواقع المعقّد، يغيب الموقف اللبناني الداخلي الموحّد في وجه الأخطار المحدقة، ما يُضعف أكثر موقف الدولة اللبنانية، لا سيّما في ظل غياب أي ضمانة دولية أممية أو عربية تضمن حقّ لبنان في تحقيق الانسحاب الإسرائيلي. وهنا يبرز خطر تحوّل المنطقة الأمنية العازلة إلى واقع أمني طويل الأمد، وهو ما سيؤدي إلى تغيير ديموغرافي في لبنان هو الأول منذ الحرب الأهلية اللبنانية.