المصدر: نداء الوطن
الكاتب: عيسى يحيى
الأربعاء 4 شباط 2026 07:44:28
لم تعد الانتخابات النيابية المقبلة في لبنان مجرّد استحقاق دستوريّ دوريّ، أو مجرّد تفصيل ينتظر التوافق السياسي أو التأجيل التقني. فهي بالنسبة إلى "حزب اللّه" تحديدًا تشكّل محطة مفصليّة في مسار مختلف عمّا اعتاده طوال السنوات الماضية، مسار يرتبط مباشرة بمرحلة ما بعد حرب "الإسناد" الأخيرة وما أفرزته من وقائع جديدة على المستوى العسكري والسياسي معًا.
فالتحوّلات التي أصابت بنية "الحزب" ودوره، ولا سيّما في ما يتعلّق بتفكيك تدريجيّ لقدراته العسكرية أو تقييد استخدامها، فرضت واقعًا جديدًا داخل البيئة الشيعية نفسها. واقعٌ يدفع "الحزب" رغمًا عنه أو انسجامًا مع قراءة داخلية متزايدة، إلى إعادة التموضع كحزب سياسي بالمعنى التقليدي للكلمة، يخوض الاستحقاقات الانتخابية بأدواته السياسية لا بفائض القوّة، ويسعى إلى تثبيت حضوره داخل مؤسّسات الدولة لا فوقها.
من هنا، تبرز الانتخابات النيابية المقبلة كهدف استراتيجي مركزي لـ "الحزب"، ليس فقط لمنع أي خرق في التمثيل الشيعي، بل لضبط التحوّلات الداخلية التي بدأت تطفو على السطح. فمع تراجع الهالة التي وفرها السلاح، دخل "الحزب" مرحلة جديدة من التنافس الداخلي، حيث باتت الطموحات الشخصية لبعض القيادات والكوادر عاملًا ضاغطًا في اختيار المرشحين، وفي رسم شكل المرحلة التي تلي انحسار الدور العسكري وبقاء "الحزب" لاعبًا سياسيًا أساسيًا.
اللافت في المشهد الداخلي لـ "الحزب" أن قيادات وشخصيات وازنة باتت تدرك أن المرحلة المقبلة مختلفة جذريًا عمّا سبق. فالحضور الذي راكمه طوال سنوات بفعل فائض القوّة والسلاح، والتعاطي معه كقوّة فوق القانون أو خارج منطق المحاسبة التقليديّة، يتجهان إلى التراجع والانحسار. ومع هذا التراجع تتبدّل أيضًا صورة المسؤول الحزبي في المناطق، الذي لن يبقى يتمتع بالهالة السابقة، بل سيتمّ التعاطي معه مستقبلًا بوصفه مسؤولًا حزبيًا عاديًا، لا يختلف كثيرًا عن نظرائه في الأحزاب الأخرى من أصغرها إلى أكبرها.
هذا الإدراك دفع بعض الشخصيات الحزبية البقاعية إلى قراءة المرحلة المقبلة بعين براغماتية، والسعي إلى فتح مخارج أمان تضمن لها موقعًا ودورًا في ما بعد التحوّل الكبير. وبحسب الأوساط الحزبية، فإن أحد أبرز هذه المخارج يتمثل بالوصول إلى البرلمان، باعتباره الإطار الأضمن للحضور السياسي والاستمرارية في النظام اللبناني.
في هذا الإطار، برزت في الفترة الأخيرة حركة لافتة لبعض الشخصيات، تمثلت بجولات استطلاعية في عدد من البلدات البقاعية، هدفها جسّ نبض الشارع، وقياس الحضور الشخصي، والعمل المبكر على الصوت التفضيلي، بمساعدة روابط البلدات في "الحزب".
اللافت أن هذا الحراك لا يجري دائمًا تحت العناوين التنظيمية التقليدية، بل يتخذ طابعًا شخصيًا واضحًا، يقوم على مبدأ المبادرة قبل الآخرين، وفرض الأمر الواقع على خيارات القيادة العليا التي تعود لها الكلمة الفصل في تسمية المرشحين، إضافة إلى تقديم المسؤولين أنفسهم مرشحين فعليين للنيابة، وإجراء مقايضة مع بعض النواب الحاليين، بحيث يصبح النائب مسؤول المنطقة، والمسؤول يحلّ نائبًا مكانه، ناهيك بعدول بعض النواب عن الترشح لأسباب صحية أو توليهم مسؤولية تنظيمية، ما فتح شهية البعض للبدء بجولته، كون "الحزب" يراعي تمثيل البقاع الشمالي بمختلف أجزائه الشرقية والغربية وصولًا إلى الهرمل، ما عدا مدينة بعلبك التي يغيب تمثيلها برلمانيًا.
هذا الواقع يعكس تحوّلًا بنيويًا داخل "الحزب" نفسه، فمرحلة حسم الأسماء باكرًا، وصوغ التحالفات وفق قرار مركزي صارم لم يعودا بالسهولة ذاتها. وعليه يبدو المشهد أكثر تعقيدًا، حيث يتقدّم الطموح الشخصي لدى بعض الكوادر كدافع أساسي لحجز موقع في المرحلة التي تلي انحسار الدور العسكري وبقاء "الحزب" لاعبًا سياسيًا.
في المحصّلة، يقف "حزب اللّه" أمام استحقاق نيابيّ يشكّل اختبارًا مزدوجًا: اختبار القدرة على الحفاظ على تماسك قاعدته الشعبية، واختبار إدارة التحوّل من قوّة استثنائية إلى حزب سياسي. وبين هذين الاختبارين، تتكشف ديناميات داخلية جديدة، قد لا تغيّر شكل "الحزب" فورًا، لكنها بلا شك ترسم ملامح ما سيكون عليه في لبنان ما بعد المرحلة العسكرية.