بري: أنا أكفل التزام الحزب.. السعودية وقطر ضمانتنا

بخطى ثابتة، يبطئها حيناً، ويسرّعها أحياناً، يسير نبيه بري في ديوانية "عين التينة"، يتابع اليوميات بأدق تفاصيلها، ولا سيما تطورات الوضع في الجنوب. اتصالاته السياسية مفتوحة على الداخل والخارج. يمشي وإن كان يحمل هَمّ "الجنوب وأهله" في قلبه، إلا أن الدمار والركام والمجازر وعمليات الجرف تُلقى فوق كتفيه. يقف وإن كان الدهر يطعن أو يغدر. يتطلع دائماً إلى الأمام، وهو ما يطرحه أيضاً، إذ يبحث عن وقف للحرب، وعن الحفاظ على لبنان بعدها. ليس الباب مقفلاً أمام أحد، ولا الهاتف مقطوعاً. يؤلمه تدمير الجنوب وتهجير أهله، فجزء من الحرب الإسرائيلية عليه فيها تدمير للتاريخ والتراث والجغرافيا، ولأهم الحواضر السياسية، والثقافية والاجتماعية لجبل عامل والشيعة. يُحسب لبرّي أنه الشخصية الشيعية التي تصدرت المشهد اللبناني من خارج "البيوتات" السياسية. بدأ حياته في مواجهة "الإقطاع"، ففي أماكن واجهه سياسياً وأقصى رموزه، وفي أماكن أخرى تحالف مع آخرين منهم، لكن كل هذا الإرث الجنوبي يتم تدميره اليوم. ويُحسب لنبيه بري أنه الرجل الذي أدخل الشيعة إلى الدولة وجعلهم يتفوقون عليها ربما. جزء من كل ذلك تريد إسرائيل تدميره ومحوه. بري الذي يتباهى دوماً بأن "الدساكر" في الجنوب، والمقصود هنا "القرى الصغيرة جداً"، أدخل إليها الطرق والإنارة، وأنشأ فيها المدارس ومحطات تكرير المياه، وغير ذلك الكثير، وهو ما كان الشيعة محرومين منه تاريخياً في لبنان. 

 

لبنان الكبير

في إحدى مقابلاته الصحافية في التسعينيات وبعد انتهاء الحرب، خرج بري ليعبر عن الغضب لعدم اهتمام العهود السابقة بالجنوب، وله جملة شهيرة حول عدم الاهتمام بالشواطئ من بيروت إلى الجنوب، في إحدى أجمل المناطق المطلة على البحر الأبيض المتوسط. وبينما سعى هو إلى ذلك، يبدو أن كل شيء يتبدد اليوم على وقع الحرب الإسرائيلية، وصولاً إلى المطالبات الأميركية والإسرائيلية بتفكيك حزب الله عسكرياً وسياسياً وتفكيك مؤسساته، وهو ما يبدو وكأنه حرب اقتلاع للشيعة من التأثير والنفوذ في البنية اللبنانية، كما يتم اقتلاعهم من أرضهم في الجنوب. هذا ما يواجهه نبيه بري اليوم، وهو يتعرض لضغوط كبيرة كان آخرها العقوبات التي فرضت على مقربين منه، لكن ذلك لا يثنيه عن المثابرة. وبالنسبة إليه اليوم، الأساس هو حماية لبنان الكيان، لبنان الكبير، بكل مكوناته وجغرافيته. 

 

المشروع الإسرائيلي

ينظر نبيه بري إلى خطورة المشروع الإسرائيلي على مستوى المنطقة، ويشدد على ضرورة بناء مشروع قائم على التكامل الإقليمي والعربي للتصدي عليه، وهو ما يجب ملاقاته لبنانياً بتحصين الوحدة الوطنية الداخلية بدلاً من الانقسام، ويؤكد لـ"المدن": لدي همّان اليوم، وقف الحرب أولاً، والحفاظ على الوحدة الداخلية والاستقرار ورعاية النازحين ثانياً. من هنا، هو يشيد بالكلام الأخير لرئيس الحكومة نواف سلام، والذي عبّر فيه عن حجم المخاطر الإسرائيلية التي تستهدف لبنان كله بكل مكوناته، وأنه يجب البناء على هذا الموقف لتحصين الوحدة الداخلية والموقف الداخلي. وهنا يشدد بري على ضرورة الحفاظ على الحكومة ورفض الدعوات لإسقاطها، مع التشديد على وجوب تحسين العلاقات بين كل القوى والمكونات، وضرورة الخروج بموقف لبناني موحد.

 

غير مباشرة

لا يزال بري يتحفظ على المفاوضات المباشرة، ويعتبر أنها لم تقدم شيئاً إلى لبنان. ويقول:" لا يمكن الذهاب إلى مفاوضات مباشرة ما دمنا لا نملك أي أوراق، ولبنان لا يجد اليوم من يمنحه الأوراق. وما دام لبنان يريد أن يفاوض عن نفسه، فيجب أن يعود إلى المفاوضات غير المباشرة، وعندها يدفع الوسطاء إلى التفاوض بدلاً من الوقوف بشكل مباشر أمام الإسرائيليين الذين سيُمْلون الشروط بدلاً من التفاوض".

 

السعودية وقطر

يعبر برّي عن مخاوفه من خطر المشروع الإسرائيلي الذي لا يقتصر على لبنان بل "نراه في فلسطين وفي سوريا أيضاً"، ينظر دوماً إلى فلسطين وغزة وكيف يواصل الإسرائيليون عملياتهم رغم ما يسمونه اتفاق وقف النار. وحتى في لبنان، هم لم يتوقفوا ومن عادتهم النكث بكل العهود. فحتى في العام 1982 لم يقولوا إنهم يريدون الوصول إلى بيروت لكنهم حينذاك فرضوا الأمر الواقع على كل العالم. لذلك يؤكد بري أن لبنان بحاجة إلى مظلة إقليمية وعربية توفر له الدعم والمساندة، وتشكل ضمانة لتطبيق أي اتفاق. وهنا يقول إنه على تفاهم كامل مع السعودية، وقد التقى الأمير يزيد بن فرحان في زيارته الأخيرة إلى بيروت، وجرى البحث في كل الملفات والنقاط، ومن ثم زار الوزير علي حسن خليل الرياض وعقد لقاءات هناك. ويؤكد بري أن الاتفاق مع السعودية موجود وقائم، على أهمية وقف الحرب، تحصين الوحدة الداخلية، وتطبيق اتفاق الطائف، مشدداً على أن التفاهم قائم حول كل الملفات. كذلك يشير بري إلى تواصل مفتوح مع دولة قطر التي تبدي الاستعداد للمساعدة بمختلف المجالات، سياسياً وديبلوماسياً ومن خلال دورها وعلاقاتها، إضافة إلى المساعدات الأخرى التي تقدمها للبنان. 

 

أنا صاحب الضمانة

حول المفاوضات الجارية اليوم، وإمكانية الوصول إلى وقف لإطلاق النار، يؤكد بري أنه هو صاحب الضمانة بالتزام حزب الله بشكل كامل بوقف النار، ولكن مقابل أن توقف إسرائيل الحرب، والعمليات العسكرية البرية والبحرية والجوية، وتوقف كلياً عمليات تدمير المنازل والجرف، وعندها سيكون هو المسؤول عن التزام حزب الله. يشكك بري بإمكانية التزام إسرائيل بأي تعهد أو اتفاق، ومع وقف النار، إذا ما تحقق، يمكن انطلاق مسار التفاوض غير المباشر، الذي يفترض أن تكون فيه جهات عربية ضامنة وراعية. ويمكن للسعودية أن تكون حاضرة وكذلك قطر ومصر، من دون إغفال الموقف الفرنسي، إذ يشير بري إلى أن فرنسا هي واحدة من أكثر الدول التي تعمل لدعم لبنان ومساعدته ووقف الحرب الإسرائيلية عليه. وبالنسبة إليه، الأهم حالياً هو وقف الحرب، وبعدها كل الملفات يمكن حلّها في الداخل في ظل الرعاية والضمانات العربية.