المصدر: Kataeb.org
الكاتب: فرنسوا الجردي
الجمعة 22 أيار 2026 11:38:36
يقف رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري اليوم أمام واحدة من أخطر اللحظات السياسية والشخصية في مسيرته الممتدة منذ عقود. فالرجل الذي اعتاد إدارة التوازنات اللبنانية المعقدة، يجد نفسه هذه المرة داخل معادلة تكاد تكون مستحيلة: كيف يمكنه أن يبقى أحد أركان “الثنائي الشيعي” الملتزم بخيار “المقاومة” والعداء المفتوح لإسرائيل، وفي الوقت نفسه أن يؤدي دوره كرجل دولة يدرك أن لبنان، وخصوصًا البيئة الشيعية، لم تعد تحتمل حربًا جديدة أو عزلة دولية إضافية؟
العقوبات الأميركية الأخيرة التي طالت شخصيات مقرّبة منه لم تُقرأ داخل عين التينة كإجراء مالي أو إداري فحسب، بل كرسالة سياسية مباشرة تستهدف موقع بري نفسه ودوره داخل المعادلة اللبنانية. ولذلك، فإنّ الرد المرتقب من رئيس المجلس لن يكون تفصيلًا إعلاميًا، بل محاولة لإعادة تثبيت موقعه داخل بيئته الشعبية والسياسية، والتأكيد أنّه لن يظهر بمظهر المتراجع أمام الضغوط الأميركية أو الإسرائيلية.
لكنّ المأزق الحقيقي لا يكمن فقط في العقوبات، بل في طبيعة المرحلة نفسها. فالرئيس بري يعلم أكثر من غيره أنّ الجنوب الشيعي خرج من الحرب مثقلاً بالخراب والنزوح والخسائر البشرية والاقتصادية، وأنّ المزاج الشعبي داخل البيئة الشيعية لم يعد كما كان قبل سنوات. هناك تعب حقيقي، وخوف حقيقي، وتساؤلات تتزايد بصمت حول جدوى الحروب المفتوحة، وحول قدرة الطائفة على تحمّل المزيد من الأثمان فيما الدولة اللبنانية تنهار بالكامل.
ومن هنا تظهر الازدواجية القاسية التي يعيشها بري اليوم. فهو من جهة لا يستطيع الانفصال عن “حزب الله” أو التخلي عن الخطاب السياسي التقليدي الداعم لخيار المواجهة مع إسرائيل، لأنّ أي تمايز جذري قد يُفسَّر كضربة لوحدة الثنائي الشيعي، وربما كتهديد مباشر لتوازن الطائفة السياسي في الداخل اللبناني. لكنه من جهة أخرى يدرك بحسّه السياسي العميق أنّ استمرار لبنان في منطق الحرب الدائمة سيقود إلى انهيار شامل قد يطيح بكل ما تبقى من مؤسسات ودور للطائفة نفسها داخل الدولة.
الرجل الذي أمضى سنوات طويلة في لعب دور “رجل الإطفاء” بين الأزمات اللبنانية، يعرف أنّ موقعه كرئيس للسلطة التشريعية يفرض عليه أن يكون جزءًا من أي مسار إنقاذي تقوده الدولة اللبنانية، سواء عبر التفاوض غير المباشر، أو تثبيت التهدئة، أو دعم أي تسوية تمنع الانفجار الكبير. وهو يعلم أيضًا أنّ رئيس الجمهورية والحكومة اللبنانية يخوضان اليوم مسارًا شديد الحساسية مع المجتمع الدولي ومع الأميركيين تحديدًا، عنوانه الأساسي منع انهيار لبنان وإعادة فتح أبواب الدعم والاستقرار.
وهنا تكمن عقدة بري الكبرى: كيف يوازن بين لغة “المقاومة” التي تنتظرها قاعدته الشعبية، وبين لغة الدولة التي تحتاج إلى الواقعية والتهدئة؟ كيف يستطيع أن يقول لجمهوره إنّ مواجهة إسرائيل خيار ثابت، فيما الوقائع الميدانية والاقتصادية تقول إنّ الأولوية أصبحت لحماية ما تبقّى من الناس والقرى والمؤسسات؟
في الواقع، يبدو بري اليوم أقرب إلى “حارس التوازن الأخير” داخل الطائفة الشيعية. فهو يدرك أنّ أي انزلاق نحو مواجهة شاملة قد يدفع الشيعة اللبنانيين إلى كارثة وجودية سياسية واجتماعية واقتصادية، لكنه في المقابل يعرف أنّ أي تنازل علني أو تموضع مختلف قد يُفجّر انقسامًا داخليًا خطيرًا داخل البيئة الشيعية نفسها.
لذلك، من المرجّح أن يستمر في اعتماد سياسة الخطاب المزدوج: التشدد السياسي والإعلامي تجاه إسرائيل والضغوط الأميركية من جهة، مقابل الانخراط الهادئ والعملي في أي مسار تسوية أو تهدئة يحمي لبنان من الانهيار الكامل من جهة أخرى. إنها السياسة التي أتقنها بري طوال عقود: رفع السقف في العلن، وفتح أبواب التسويات في الكواليس.
غير أنّ المشكلة هذه المرة أنّ هامش المناورة يضيق بسرعة. فالداخل الشيعي يغلي تحت وطأة الدمار، والدولة اللبنانية تترنح اقتصاديًا وسياسيًا، والمجتمع الدولي يربط أي دعم فعلي بإعادة ضبط الوضع الأمني والسيادي في الجنوب. وبين كل هذه الألغام، يجد بري نفسه أمام اختبار تاريخي قد يكون الأصعب في حياته السياسية.
إنّه وضع لا يُحسد عليه بالفعل: رجل يحمل إرث “الثنائي” على كتفيه، ويحمل في الوقت نفسه مسؤولية حماية الدولة من السقوط الكامل. وبين هذين الخيارين، يحاول نبيه بري أن يبقى واقفًا فوق الحبل اللبناني الرفيع… من دون أن يسقط.