المصدر: وكالة الأنباء المركزية
الكاتب: جوانا فرحات
الثلاثاء 26 أيار 2026 16:46:37
بصمت تلقّف الرئيس نبيه بري مفاعيل وزنات العقوبات الأميركية التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية على القياديين من حركة أمل ودائرته الضيقة أحمد بعلبكي وعلي صفاوي. حتى القول بأن رد الحركة في البيان الذي أصدرته واعتبرت فيه أن هذه العقوبات "غير مقبولة وغير مبررة"، وأنها لا تستهدف الشخصين فحسب بل الحركة ودورها السياسي في لبنان لم يلغِ السؤال حول أسباب هذا الصمت ولم يحمل إجابة عما إذا كان "صمت بري" في إطار التكتيك السياسي المدروس أم موقف سلبي أو عجز عن الرد؟
في السياسة، لا يُقرأ الصمت دائماً بوصفه غياباً للموقف، وقد يكون أبلغ من التصريحات المباشرة، خصوصاً لدى شخصية مخضرمة على غرار الرئيس بري الذي راكم خبرة طويلة في إدارة التوازنات الداخلية والخارجية. فالرجل يدرك أن أي مواجهة علنية مع الولايات المتحدة في ملف العقوبات قد تحمل تداعيات أوسع على حركة أمل وعلى موقعه داخل المعادلة اللبنانية، لا سيما في ظلّ الانهيار الاقتصادي والمالي الذي يجعل لبنان أكثر هشاشة أمام الضغوط الدولية. ويبدو أن بري يفضّل اعتماد سياسة "الاحتواء الهادئ" بدلاً من التصعيد الإعلامي. فالعقوبات الأميركية، سواء أصابت حلفاء مباشرين أو شخصيات تدور في الفلك السياسي للحركة، فهي لن تتخطى الإجراءات التقنية المرتبطة بمكافحة الفساد أو تمويل جهات مصنفة بالإرهاب أميركياً. من هنا، قد يرى بري أن الرد العلني يمنح هذه العقوبات بعداً سياسياً أكبر ويحوّلها إلى مواجهة مباشرة مع الإدارة الأميركية، وهو أمر لا يبدو أنه يرغب فيه حالياً.
الكاتب السياسي عباس هدلا ينطلق من الواقع ويعتبر أن معضلة تدعو إلى الإمعان في ما يتعرض له. من جهة يرى أمام عينيه الجنوب الذي فاخر بإعماره يُدمّر، والقرى محتلة بعدما سُوّيت بالأرض والإنجازات التي تكلم عنها ضمن منهجية إطار فكرة التنمية والتحرير تتعرض للإبادة.
ومن جهة أخرى هناك العلاقة الغامضة التي كانت تربطه مع الولايات المتحدة حيث كانت تعتبره الشخصية الشيعية المعتدلة وهناك تقرير صدر عام 1985 في النهار العربي والدولي يفند كاتبه أملاك بري في الولايات المتحدة، وإذا بالعقوبات التي فرضتها تطال اثنين من دائرته الضيقة وقبلهما النائب علي حسن خليل. أمام هذه الحالة وإزاء واقع التقدم في العمر لمس بري باليقين أن كل المفاتيح التي كان يعتبرها بين يديه انهارت فاختار الصمت".
ثمة من يفسّر هذا الصمت أيضاً بأنه محاولة للفصل بين موقعه الدستوري كرئيس للسلطة التشريعية وبين أي استهداف يطال شخصيات سياسية أو مالية قريبة منه. فبري الذي يحرص منذ سنوات على تقديم نفسه باعتباره "صمام أمان" في النظام اللبناني ووسيطاً بين القوى المتنازعة، ولا يريد أن يظهر في موقع من يخوض معركة مباشرة مع واشنطن، خصوصاً في مرحلة تتكثف فيها الضغوط الدولية على لبنان لإجراء إصلاحات سياسية ومالية. واستطراداً يعتبر هدلا أن بري يدفع اليوم ثمن الخيارات التي اتخذها بعد العام 2005 عندما التزم بالتوجهات الإيرانية العامة وهناك أيضا مسألة التقدم في العمر الذي لا يسمح له بلعب دور جديد أو يكون في المقلب الجديد". فهل يكون الشاهد ويتنحى؟
قد يكون بري قرأ الرسالة جيداً وفضّل التعامل معها ببراغماتية، مدركاً أن أي رد انفعالي قد يفتح الباب أمام مزيد من التصعيد أو توسيع دائرة الاستهداف "وهو مستمر في التزام الصمت حتى لا يقال أنه أخذ موقفا يحدد رؤيته وتوجهاته كما العادة. ففي موضوع المفاوضات لم يحدد موقفه النهائي منها ولا من تعاطي رئيس الجمهورية، يبتعد عن الكلام قدر الإمكان، في حين بدأ حزب الله يأخذ مواقف علنية وقد رأينا في الأمس نعيم قاسم وقد عاد في خطابه إلى توجهات الثورة الإسلامية في إيران بحيث "خون"رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزراء".
يبقى السؤال الأكثر تداولاً في هذه اللحظة المفصلية هل تكون نهاية صمت بري التنحي بعد عقود من جلوسه على كرسي رئاسة السلطة التشريعية؟
" قطعا لا. يجيب هدلا. فهذا الرجل لن يتنحى ولا يترك مركزه ولا يتخلى عن الاوراق التي يملكها لأحد لأنه مقتنع أن هناك نبيه بري واحد ولا يتكرر وقد سعى جاهدا في سبيل تخليد إسمه على هامة الجنوب اللبناني إلا أن التاريخ سيذكر أنه في عهده أعيد تدمير الجنوب وأن كل السردية التي بنى على أساسها مجده في ما خص إعادة إعمار الجنوب سقطت".
"باختصار هو يعيش كابوسا ، فمن الناحية العمرية لم تعد لديه القدرة على المبادرة في سبيل إنتاج رؤية جديدة ولا أن يكون لاعباً جديداً على الساح. والتزامه مع حزب الله يأخذه إلى الحائط المسدود، في حين أنه لا يرغب في ذلك لكن ليس بقدرته أن يغير الوقائع، وسيبقى على علاقته مع حزب الله ولن يغير خطابه في إطار العلاقة معه.
قد يكون أكثر ليونة منه في بعض المواضيع بما فيها موضوع المفاوضات لكنه لن يخرج من عباءة الحزب. ومعروف عن بري أنه من الأشخاص الذين لا يخرجون عن الطريق التي التزم بها وإن كان يعلم أنه لن يكون موجودا في نهايتها".
ويختم هدلا" علاقة بري مستمرة مع حزب الله وسيعمل بشكل كبير كمرجعية شيعية ثنائية مع الحزب حتى انتهاء هذه المرحلة. ماذا بعدها وما سينتج عن المفاوضات الإيرانية-الأميركية و اللبنانية -الإسرائيلية؟ حالياَ لا يمكن التنبؤ بالشخصيات الشيعية التي ستدير المرحلة المقبلة .هذا يتوقف على المعيار الذي سينتج عن المرحلة المقبلة".