المصدر: eremnews
الثلاثاء 1 أيلول 2026 15:16:47
بدأت ترتيبات أمنية جديدة تتشكل في جنوب لبنان، لا تتعلق فقط بانتشار الجيش وتفكيك مواقع حزب الله، وإنما بمن يراقب الأرض بعد ذلك، وكيف تُجمع المعلومات عن أي نشاط عسكري، ومن يتلقى هذه "الداتا" ويحولها إلى مهمة تنفذها قوات الجيش اللبناني.
وقال مصدر أمني لبناني لـ"إرم نيوز" إن النقاشات الجارية بشأن منظومة المراقبة في المناطق التي يتسلمها الجيش تشمل تركيب كاميرات ووسائل رصد تقنية في نقاط مختارة، وربط المعلومات الميدانية بآلية التنسيق الجديدة التي تعمل بإشراف أميركي.
وبحسب المصدر، فإن العقدة ليست في القدرة على مراقبة الجنوب، إذ تمتلك إسرائيل أصلاً وسائل استطلاع واستخبارات متقدمة، وإنما في الطريق الذي ستسلكه المعلومة بعد رصدها، ومن يملك صلاحية اعتبارها خرقاً يستوجب تحرك الجيش اللبناني.
غرفة تعمل 24 ساعة
وتتقاطع هذه المعلومات مع الملحق الأمني لاتفاق الإطار الموقع بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في 26 يونيو/حزيران، والذي ينص على إنشاء "مجموعة التنسيق العسكري من أجل لبنان" MCG4L. وتتولى المجموعة العمل على مدار الساعة لإدارة منع الاحتكاك والتحقق والتنفيذ، وترفع تقاريرها إلى السلطات السياسية اللبنانية والإسرائيلية عبر قنوات عسكرية غير مباشرة.
وأكد الجيش اللبناني وجود المجموعة عملياً، عندما أعلن في 17 أغسطس/آب أن قائده العماد رودولف هيكل استقبل رئيس مجموعة التنسيق، الجنرال الأمريكي جوزيف كليرفيلد، وبحث معه الترتيبات الأمنية المتعلقة باتفاق الإطار.
وتكمن أهمية المجموعة في أنها قد تصبح العقدة المركزية التي تمر عبرها معلومات الجنوب؛ بما فيها المعلومات الإسرائيلية أو الأمريكية، وتقارير الجيش اللبناني، ونتائج عمليات التحقق.
كيف تصل المعلومة إلى الجيش؟
يقول المصدر الأمني إن التصور اللبناني يقوم على منع إنشاء مسار يجعل الجيش متلقياً مباشراً لأوامر أو أهداف إسرائيلية. فإذا ظهرت معلومة عن مستودع أسلحة أو نفق أو مركز قيادة لحزب الله أو عودة مسلحين إلى منطقة جرى تسليمها للجيش، يفترض أن تمر عبر آلية التنسيق والتحقق، ثم يتولى الجيش اللبناني التحقق منها ميدانياً واتخاذ الإجراء المناسب.
وهذا يعني عملياً فصل مصدر المعلومة عن صاحب القرار العملياتي. لكن هذه النقطة تحديداً مرشحة لأن تكون إحدى أعقد مشكلات التطبيق، لأن إسرائيل تريد التأكد من أن المعلومات التي تقدمها ستنتج تحركاً فعلياً، بينما يرفض لبنان تحول جيشه إلى جهة تنفذ قائمة أهداف إسرائيلية.
ويعزز الملحق الأمني أهمية هذه المسألة، إذ ينص على إجراء التحقق بالتزامن مع عمليات تفكيك البنية العسكرية، فيما يرتبط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بنجاح عملية نزع السلاح والتفكيك بصورة قابلة للتحقق.
كاميرات المراقبة.. من يشاهدها؟
أما كاميرات المراقبة، فيقول المصدر إنها جزء من التصورات التقنية لإبقاء المناطق التي يتسلمها الجيش تحت مراقبة مستمرة ومنع عودة البنية العسكرية لحزب الله إليها.
لكن، وفقاً للمصدر الأمني اللبناني، لم يُعلن حتى الآن عن شبكة نهائية، أو مواقع الكاميرات، أو الجهة التي ستملك خوادم المعلومات، أو الأطراف التي ستتمكن من مشاهدة الصور مباشرة. و"هنا تكمن حساسية داتا الجنوب" حسب قوله، "فوجود كاميرا يديرها الجيش اللبناني ويحتفظ بصورها يختلف جذرياً عن إنشاء منظومة تسمح لطرف دولي أو لإسرائيل بالحصول على البيانات الخام أو مراقبة الأراضي اللبنانية مباشرة".
كما ينص الملحق على وجود طرف ثالث متفق عليه للتحقق من خلو المناطق من المسلحين والبنية العسكرية التابعة للجماعات غير الحكومية قبل الانتقال إلى المراحل اللاحقة. ويرى المصدر أن تنفيذ هذه المهمة سيحتاج إلى تعاون استخباراتي وثيق ودعم أمريكي ودولي، لأن تحديد مخازن السلاح والأنفاق ومراكز القيادة ثم التأكد من تعطيلها يتجاوز عمليات المراقبة التقليدية.
"الداتا" تحدد الانسحاب
يربط الملحق الأمني إعادة انتشار القوات الإسرائيلية بنجاح عمليات نزع السلاح والتحقق منها، ويمنح مجموعة التنسيق العسكري "MCG4L" دوراً في تخطيط وتسلسل الانسحاب بالتزامن مع انتشار الجيش اللبناني. أي أن تقريراً يقول إن منطقة ما أصبحت خالية من بنية حزب الله يمكن أن يفتح الطريق لانسحاب إسرائيلي، بينما ظهور معلومات مضادة قد يؤدي إلى تجميد العملية.
ويشير المصدر إلى أن إسرائيل تتمسك، بالمقابل، بحرية التحرك ضد ما تعتبره تهديدات داخل المنطقة الأمنية، ما يفتح باباً لخلاف بالغ الخطورة إذا قدمت إسرائيل معلومات عن هدف ما ولم يتحرك الجيش اللبناني بالطريقة أو السرعة التي تريدها.
من يملك الصورة؟
في هذا السياق، يرى الباحث السياسي محمد صالح الفتيح أن المعركة حول "الداتا" تتجاوز التكنولوجيا، لأنها ستحدد عملياً ميزان القوة في الجنوب.
ويقول إن نجاح المنظومة لبنانياً يتطلب الفصل بوضوح بين حق إسرائيل في الإبلاغ عن خرق تعتقد أنه وقع وبين امتلاكها حق فرض تفسيرها للمعلومة على الجيش اللبناني، معتبراً أن المؤسسة العسكرية اللبنانية يجب أن تبقى صاحبة القرار في التحقق والتحرك داخل الأراضي اللبنانية.
ويضيف أن وجود طرف دولي مستقل يمكن أن يشكل حاجزاً ضرورياً بين المعلومة الإسرائيلية والقرار العملياتي اللبناني، وإلا تحولت آلية التحقق إلى وسيلة غير مباشرة تحدد من خلالها إسرائيل الأهداف التي ينبغي للجيش اللبناني التعامل معها.
وبذلك، فإن الصراع المقبل في الجنوب قد لا يكون فقط على من يسيطر على الأرض، وإنما على من يرى ما يجري فوقها وتحتها. ففي النظام الأمني الجديد، قد تصبح "الداتا" هي التي تحدد أين يتحرك الجيش، ومتى تنسحب إسرائيل، وأين يقع الخرق الذي يمكن أن يعيد فتح باب الحرب.