المصدر: نداء الوطن
الكاتب: بطرس الخوري
الأحد 30 آب 2026 07:05:46
في تاريخ لبنان الحديث، يصعب الحديث عن فكرة لبنان المستقل من دون التوقف عند بيار الجميّل، مؤسس حزب الكتائب اللبنانية. لكن استعادة الرجل اليوم لا يجب أن تكون من زاوية حزبية فقط، بل من زاوية وطنية أوسع: دفاعه عن لبنان ككيان مستقل، وعن خصوصيته، وعن الصيغة التي تجمع أبناءه في دولة واحدة.
كان بيار الجميّل مسيحياً لبنانياً شديد التمسك بهوية لبنان وخصوصيته، لكنه لم يجعل من الدفاع عن المسيحيين مشروعاً لعزلهم عن وطنهم. فلبنان الذي أراده لم يكن جزيرة مسيحية، ولا دولة طائفة، بل وطناً له شخصية مميزة، يعيش فيه المسيحيون والمسلمون شركاء في المصير.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين الدفاع عن الصيغة اللبنانية والدعوة إلى تقسيم لبنان.
فالصيغة التي دافع عنها الجميّل لا تقوم على الفصل بين اللبنانيين، بل على الشراكة بينهم. ومن هذا المنطلق، فإن كل المشاريع التي تنتهي إلى تقسيم لبنان أو تحويله إلى كانتونات طائفية تتناقض مع جوهر فكرة لبنان الواحد الذي يستحق أن يدافع عنه أبناؤه، رفضها الشيخ بيار.
لقد كان هاجس بيار الجميّل الأساسي أن يبقى لبنان حراً ومستقلاً، وألا تتحول طوائفه إلى أدوات في مشاريع الخارج. ولذلك فإن الدفاع عن المسيحيين، في هذه القراءة، لا يكون بسلخهم عن محيطهم اللبناني، بل بضمان بقائهم شركاء كاملين في دولة واحدة.
اليوم، وبعد عقود من الحرب والانقسامات والتدخلات الخارجية، تعود أفكار التقسيم بأشكال مختلفة. مرة تحت عنوان الخوف على طائفة، ومرة تحت عنوان استحالة العيش المشترك، ومرة تحت عنوان أن لكل جماعة مشروعها الخاص.
لكن تجربة لبنان أثبتت أن التقسيم لا يحل المشكلة، بل ينقلها إلى داخل كل كيان جديد، فيما يفقد لبنان جوهره ودوره وتنوعه.
لذلك، فإن استحضار بيار الجميّل اليوم يجب ألا يكون لاستعادة الاصطفافات القديمة، بل للتذكير بأن المسيحي اللبناني يستطيع أن يكون متمسكاً بهويته وحقوقه، وفي الوقت نفسه متمسكاً بلبنان الواحد الرافض للتقسيم.
فالعيش المشترك ليس تنازلاً من المسيحي للمسلم، ولا من المسلم للمسيحي. إنه مصلحة وطنية مشتركة، والصيغة اللبنانية ليست عقداً بين طوائف متخاصمة، بل محاولة تاريخية لبناء دولة يستطيع فيها المختلفون أن يعيشوا معاً.
ومن هنا، فإن أفضل تكريم لإرث الشيخ بيار ليس رفع صورته فقط، بل الدفاع عن لبنان الذي يتسع للجميع: لبنان السيد، المستقل، الحر، الواحد، الرافض للتقسيم، والمتمسك بالصيغة التي تجعل من المسيحي والمسلم شريكين لا خصمين.
بيار الجميّل كان مؤسس حزب أصبح من أكبر الأحزاب في لبنان ولعب ادواراً أساسية في كافة المراحل
لكن ما يبقى من الرجال الكبار هو الفكرة التي تتجاوز أحزابهم.
وفكرة لبنان التي تستحق أن تبقى هي أن لا المسيحي يستطيع أن يحمي لبنان بإلغائه، ولا المسلم يستطيع أن يحميه بإلغائه، ولا أي طائفة تستطيع أن تبني وطناً على أنقاض الآخرين.
لبنان لا يحتاج إلى حدود جديدة بين أبنائه.
لبنان يحتاج إلى دولة واحدة، وسيادة واحدة، وشراكة واحدة، ووطن واحد.
وكما قال الشيخ بيار: " الأوطان المسيحية كثيرة، والأوطان المسلمة كثيرة، ولكن ما من وطن يلتقي فيه الأسلام والمسيحية كما يلتقيان في لبنان."
وهذا، قبل أي اعتبار حزبي، هو المعنى الأعمق للدفاع عن الصيغة اللبنانية التي ارتبط بها الشيخ بيار الجميّل.