بيروت في عين العاصفة

لم يعد استهداف قلب العاصمة اللبنانية بيروت الادارية حدثاً عسكرياً يمكن التعامل معه بوصفه مجرد تطور ميداني عابر. فحين تُستهدف عاصمة دولة، فإن الرسالة تكون أعمق بكثير من الضربة نفسها، لأنها تمسّ جوهر السيادة وتكشف واقع القرار السياسي والأمني في البلاد. وفي الحالة اللبنانية، فإن وصول المواجهة إلى قلب بيروت يعكس حقيقة مرّة باتت واضحة: لبنان ليس بدولة تقرر بنفسها متى تدخل الحرب ومتى تبقى خارجها

فعلى مدى سنوات طويلة، بقيت المواجهة مع إسرائيل محكومة بما يشبه قواعد اشتباك غير مكتوبة، أبقت التوتر العسكري ضمن نطاق جغرافي محدد، غالباً في الجنوب اللبناني، الضاحية أو بعض المناطق . لكن انتقال الضربات إلى قلب العاصمة يعني أن تلك القواعد انهارت عملياً، وأن لبنان بأكمله أصبح ساحة مفتوحة للصراع يتجاوز حدوده وإمكاناته

إن استهداف بيروت ليس مجرد عمل عسكري، بل رسالة استراتيجية تقول بوضوح إن الصراع لم يعد محصوراً في الأطراف، بل وصل إلى مركز الدولة نفسها. فالعاصمة ليست مجرد مدينة؛ إنها مركز القرار السياسي والاقتصادي والإعلامي، وضربها يحمل دائماً بعداً نفسياً وسياسياً يتجاوز بكثير الأهداف العسكرية المباشرة

غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً ليس لماذا تُستهدف بيروت الادارية، بل لماذا أصبح لبنان أصلاً في قلب هذا الصراع. وهنا لا يمكن القفز فوق الحقيقة الأساسية التي يعرفها اللبنانيون جميعاً: قرار إدخال لبنان في المواجهة مع إسرائيل لم يصدر عن الدولة اللبنانية ولا عن مؤسساتها الشرعية، بل عن قوة عسكرية تعمل خارج إطار الدولة، وتحديداً حزب الله

فمنذ سنوات، كرّس حزب الله واقعاً سياسياً وأمنياً جعل لبنان جزءاً من منظومة الصراع الإقليمي التي تقودها إيران. وبفعل هذا الخيار، لم يعد لبنان مجرد دولة تتأثر بما يجري في المنطقة، بل تحوّل إلى ساحة متقدمة في تلك المواجهة. والنتيجة الطبيعية لهذا المسار هي أن تصبح المدن اللبنانية، وفي مقدمتها بيروت، جزءاً من مسرح الرسائل العسكرية المتبادلة

إن أخطر ما في هذا الواقع ليس فقط احتمال التصعيد العسكري، بل حقيقة أن اللبنانيين يدفعون ثمن قرارات لم يتخذوها. فالدولة اللبنانية لم تقرر الحرب، واللبنانيون لم يُستشاروا في إدخال بلدهم في صراعات المنطقة، ومع ذلك فإنهم هم من يتحملون نتائجها الأمنية والاقتصادية والإنسانية

لقد وضع حزب الله لبنان في موقع الدولة التي تُستخدم أرضها كمنصة لصراعات الآخرين، بينما تتحمل هي وحدها كلفة تلك الصراعات. ومع كل تصعيد جديد، يتضح أكثر أن هذا المسار لا يقود إلا إلى مزيد من تعريض البلاد للخطر وإلى تعميق الانكشاف الاستراتيجي للدولة اللبنانية

إن تحويل بيروت إلى مدينة تعيش تحت احتمال الضربات العسكرية ليس قدراً جغرافياً ولا نتيجة حتمية لموقع لبنان في المنطقة، بل هو نتيجة مباشرة لسياسة ربط لبنان بمحاور الصراع الإقليمي. وما دامت هذه السياسة مستمرة، فإن العاصمة اللبنانية ستبقى مهددة بأن تكون في عين العاصفة

فالدول القادرة على حماية عواصمها هي تلك التي تحتكر قرار الحرب والسلم داخل مؤسساتها الشرعية. أما حين يُصادر هذا القرار من قبل قوة مسلحة خارج الدولة، فإن البلاد كلها تصبح رهينة خيارات تلك القوة. فإن الحقيقة التي بات من الصعب تجاهلها هي أن لبنان يدفع اليوم ثمن قرار لم تتخذه دولته، بل فرضه حزب الله على الدولة والمجتمع معاً

وفي ظل هذا الواقع، فإن الدفاع الحقيقي عن لبنان لا يبدأ بتبرير إدخاله في الصراعات، بل باستعادة الدولة وقرارها السيادي وأن يسلم حزب الله سلاحه. لأن بيروت، بكل ما تمثله من رمزية وطنية، لا يجب أن تكون ساحة رسائل عسكرية، ولا مدينة تعيش تحت تهديد الحروب التي يقررها الآخرون باسم لبنان